❷ سارعوا إلي ربكم وجنة

وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)

الاثنين، 2 مايو 2022

الظلم - دار ابن خزيمة أزهري أحمد محمود

 

الظلم - دار ابن خزيمة أزهري أحمد محمود

بسم الله الرحمن الرحيم

لاحظ {صلي الله عليه وسلم= r في  الرمز طباعة}

الحمد لله تعالى أرحم راحم، وأعدل حاكم، والصلاة والسلام على الرسول الصادق، وآله وأصحابه إلى يوم الحقائق..

وبعد:

أخي المسلم: إن كل مجتمع أيًّا كانت شريعته يحب أن يعيش أفراده في أمن وطمأنينة تسودهم المحبة والتعاون، ويسلموا من أسباب الفوضى والعداوات..

وهذا ما سعى الإسلام إلى تقريره.. فقد شرع الله تعالى للعباد خير دين، فيه كل القواعد التي تنبني عليها السعادة من أوامر ونواهي..

ومن هذه القواعد التي دعا إليها الإسلام، وحضَّ عليها؛ قاعدة: (العدل) وإذا أخل الخلق بهذه القاعدة حلت محلها قاعدة أخرى اسمها: (الظلم)؛ فما أقبحه من خلق رذيل!!

 

** الظلم ظلمات!! **

أخي المسلم: الظلم! ذلك الاسم الذي جمع الرذائل! ودل على القبائح!

اسم تبغض سماعه الآذان، وتتأفف من النطق به الألسنة!

ولا تجد عاقلاً يحب أن يوصف بهذا الخلق القبيح! بل حتى الظالم لا يرضى أن يقال له: يا ظالم!

وتأمل في اسمه ما أقبحه! وما أقبح دلالاته ومعانيه! ولقبحه فإن الله تعالى لما خاطب عباده بتحريمه، أخبرهم أنه حرمه أولاً على نفسه تبارك وتعالى..

عن النبي r فيما روى عن الله تبارك وتعالى، أنه قال: (قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا...». [رواه مسلم].

أخي المسلم: الظلم طريق مهلك.. ما سلكه أحد فنجا! فإياك أن تكون من سالكيه!

فإن ظلمة الظلم أقبح الظلمات! وهي ظلمة أشد من ظلمة سواد الليل! لأن ظلمته مربوطة بظلمة يوم الهول والنشور! وما أشد ظلمات ذلك اليوم!

وهي ظلمة حذرك النبي r أن تكون من أهلها..

قال رسول الله r: «اتقوا الظلم، فإن الظلم؛ ظلمات يوم القيامة..» [رواه مسلم].

وفي وصية سلمان الفارسي لجرير بن عبد الله رضي الله عنهما: يا جرير تدري ما ظلمة النار؟! قال: لا. قال سلمان: فإنه ظلم الناس بعضهم بعضًا في الأرض!

وينبيك عن خطورة الظلم أن النبي r أمرنا بالتعوذ منه!

قال رسول الله r: «تعوذوا بالله من الفقر، والقلة، والذلة، وأن تظلم، أو تظلم». [رواه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه/ السلسلة الصحيحة: 1445].

أخي المسلم: لا يفوتنك التعوذ من الظلم؛ عسى أن تكون من الناجين من مخازيه في الدنيا والآخرة..

 

** الظلم هلاك.. وخراب للديار! **

أخي المسلم: نار الظلم نار لا ترحم! وعقاب الظالم إذا حل عقاب لا يوصف!

الظلم هلاك للأفراد.. وخراب للديار والدول!

وإذا حلت نقمة الله تعالى على الظالم فيا ويله، ما أشدها!!

قال علي بن أبي طالب t: «يوم المظلوم على الظالم، أشد من يوم الظالم على المظلوم!».

وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: «أول ما كتب في الزبور: ويل للظلمة».

وقال شريح القاضي رحمه الله: «سيعلم الظالمون حق من انتقصوا، إن الظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصر والثواب».

وقال بعض الحكماء: «اذكر عند الظلم عدل الله فيك، وعند القدرة قدرة الله عليك، لا يعجبك رحب الذارعين، سفاكي الدماء، فإن لهم قاتلاً لا يموت!».

فيا من رتعت في مراتع الظلم الوخيمة.. ويا من غرك حلم الله تعالى، وإمهاله للظالمين.. أفق! فعما قليل سينزل عقاب من لا يهمل الظالمين! فتصبح كأمس الدابر!

قال رسول الله r: «إن الله عز وجل يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] [رواه البخاري ومسلم].

قال مسعر بن كدام رحمه الله: «أناة الله حيَّرت قلوب المظلومين، وحلم الله بسط آمال الظالمين!».

فيا غافلا عن عقاب الله تعالى، فإن الله لن يغفل عنك! ظلمت عباده، وظننت أنك تنجو! كلا؛ إن لك يومًا ينسيك النعمة!

قال بعض الحكماء: «إنه ليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة، أو تعجيل نقمة من إقامة ظالم على ظلمه!».

أخي المسلم: إن عقوبات الظالمين ليست قاصرة على الأفراد.. بل إن الظلم إذا عم أرضًا؛ كان ذلك إيذانًا بهلاكها وخرابها! ونذير شؤم بدمارها! فكم من دول هلكت بسبب الظلم.. وكم من دار أصبحت خرابًا بسبب الظلم!

عن سفيان بن عيينة، قال: قال كعب الأحبار: إني أجد في كتاب الله المنزل: أن الظلم يخرب الديار. فقال ابن عباس: أنا أوجدكه في القرآن: قول الله تبارك وتعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا...}.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ويروى: الله ينصر الدولة العادلة، وإن كانت كافرة! ولا ينصر الدولة الظالمة، وإن كانت مؤمنة!».

فالعدل صلاح للدول.. وعمار للبلاد.. وسعادة للخلق.. وضده الظلم؛ فإنه فساد للدول.. وخراب للبلاد.. وشقاء.. ودمار!

كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: أما بعد: فإن مدينتنا قد خربت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالاً نرمها به.

فوقع في كتابه: «أما بعد: فحصنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم، فإنه مرمتها. والسلام!».

أخي المسلم: احذر الظلم؛ فإن عواقبه وخيمة.. وعقابه نازل لا محالة!

وإن شئت فاسأل عن الظالمين، وما نزلت بهم من العقوبات.. وما ذاقوه من المرارات التي أذاقوها الضعفاء!

يا أيها الظالم في فعله

 

 

 

 

فالظلم مردود على من ظلم

إلى متى أنت وحتى متى

 

 

 

 

تسلو المصيبات وتنسى النقم






 

** اتق دعوة المظلوم!! **

أخي المسلم: أتدري ما هي دعوة المظلوم؟!

دعوة المظلوم تلك الدعوة التي تفتح لها أبواب السماء.. وقد تكفل الله تعالى بنصرة صاحبها!

ودعاء المظلوم دعاء يخرج من قلب صادق في دعائه مخلص في توجهه موقن بالنصر، وإن كان صاحبه فاجرًا!

ولما بعث النبي r معاذًا بن جبل t إلى اليمن زوده بالوصايا الغالية في الدين والدنيا..

ومن هذه الوصايا قوله r: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب!». [رواه البخاري ومسلم].

وفي ذلك إشارة واضحة إلى خطورة الظلم، وعواقبه الوخيمة.. وقدر كيف ستكون حال دعوة ليس بينها وبين الله حجاب؟!

إن دعوة المظلوم دعوة خرجت من قلب اكتوى بنار الظلم.. فهي إذا خرجت؛ فكأنما تخرج من نار مستعرة!

قال رسول الله r: «اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرار!!». [رواه الحاكم والديلمي في المسند/ السلسلة الصحيحة: 871].

فيا غافلاً عن دعاء فتحت له أبواب السماء، احذر! واعلم أن نصر من ظلمته سينزل قريبًا!

قال رسول الله r: «اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تحمل على الغمام، يقول الله جل جلاله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين!». [رواه الطبراني وغيره/ السلسلة الصحيحة: 870].

فالمظلوم مستنصر بالله تعالى.. ولن يضيع مستعيذ بالله تعالى!

كان يزيد بن حاتم يقول: «ما هبت شيئًا قط هيبتني من رجل ظلمته، وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله، فيقول: حسبك الله، الله بيني وبينك!».

وقال بلال بن مسعود: «اتق الله فيمن لا ناصر له إلا الله!».

فيا ظالمًا للضعيف! أتنام آمنًا؟! وها هي الأكف التي ظلمتها ترفع بالدعاء عليك.. وأنت غافل لا تشعر!

قال أبو الدرداء t: «إياك ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام!».

فما أشد شواد الليل على الظالمين! فكم من دعاء فيه مستجاب.. وكم من ظالم أذن في هلاكه عند الصباح!

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا

 

 

 

 

فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه

 

 

 

 

يدعو عليك وعين الله لم تنم






فيا غافلاً احذر سهام الليل! فكم من ظالم أردته! وكم من باغ مع الأموات أسكنته!

أتهزأ الدعاء وتزدريه

 

وما تدري بما صنع الدعاء

سهام الليل نافذة ولكن

 

بها أمد وللأمد انقضاء

فيمسكها إذا ما شاء ربي

 

ويرسلها إذا نفذ القضاء

 

فراجع نفسك أيها الظالم.. وتب.. وأعط المظلوم حقه.. قبل أن يرفع كفه للقوي.. ناصر كل مظلوم!

ولتعلم أيها الظالم أن الله تعالى يجيب دعاء المظلوم ولو كان كافرًا! فيهلك من أجله الظالم، ولو كان من أتقى خلقه!!

قال رسول الله r: «دعوة المظلوم وإن كان كافرًا، ليس دونها حجاب!». [رواه أحمد/ صحيح الترغيب للألباني: 2231].

أخي المسلم: احذر الظلم.. احذر الظلم.. فإنه بضاعة الهالكين.. ودمار الغافلين!

 

** الظالمون يوم القيامة!! **

يا ويل الظالمين في ذلك اليوم الذي يشيب من هوله الوليد!

يوم الشدائد والأهوال!

يوم تدنو الشمس فيه من رؤوس الخلائق!

فما أشده من يوم! وما أفظعه من موقف!

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 1، 2].

في ذلك اليوم المهول.. كيف سيكون حال الظالمين؟!

إنه يوم القصاص!

فيا ويل الظالم من حساب ذلك اليوم!

قال النبي r: «اتقوا الظلم ما استطعتم؛ فإن العبد يجيء بالحسنات يوم القيامة، يرى أنها ستنجيه، فما زال عبد يقوم يقول: يا رب ظلمني عبدك مظلمة، فيقول: امحوا من حسناته، وما يزال كذلك، حتى ما يبقى له حسنة من الذنوب..». [رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني/ صحيح الترغيب: 2221].

وسيندم الظالم في ذلك اليوم ندامة من لا ينفعه الندم.. وسيذوق من ويل العذاب أصنافًا!

أما والله إن الظلم لؤم

 

وما زال المسيء هو الظلوم

إلى ديان يوم الدين نمضي

 

وعند الله تجتمع الخصوم

ستعلم في الحساب إذا التقينا

 

غدًا عند الإله من الملوم

 

 

** صور من الظلم **

أخي المسلم: هناك الكثير من صور الظلم، تطل علينا في كل يوم، في واقعنا المعاصر.. ويقع فيها الكثيرون، ممن أعمى الله بصائرهم..

وهذه الصور نذكرها من باب التذكرة، إذ إن حقيقة الظلم لا تخفى على أحد:

* منها: أكل مال اليتيم:

فكم من ظالم تجده راتعًا في أموال اليتامى مسرفًا في أكلها! وقد توعد الله تعالى هذا الصنف بالنار..

قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10].

* ومنها: المماطلة في قضاء الدين:

الكثيرون إذا لزمتهم الديون ماطلوا في قضائها، مع أنهم قادرون على قضائها.. بل إن البعض يستدين وفي نيته عدم القضاء! وهذا من الظلم كما أخبر النبي r..

قال r: «مطل الغنى ظلم». [رواه البخاري ومسلم].

* ومنها: ظلم المرأة في حقها وصداقها ونفقتها وكسوتها:

لقد أمرت الشريعة بالعشرة الحسنة، وبالتسريح الحسن إذا حدث خلاف بين الزوجين..

قال الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ...} [البقرة: 231].

فيجب على الرجل أن لا يظلم امرأته في النفقة والكسوة، والصداق؛ بل يوفيها حقها في كل ذلك، وإن كان له أكثر من زوجة؛ فيجب عليه أن يعدل في حقوقهن، فقد جاء الوعيد الشديد في حق من لا يعدل بين نسائه.

* ومنها: ظلم العمال في أجورهم:

وهو ظلم قبيح وقع فيه الكثيرون، ممن شغلهم حب المال، وهذا النوع من الظلم يكون بعدة صور:

(1) عدم إعطاء العامل أجره.

(2) إعطاء العامل أقل من أجره الذي يستحقه.

(3) تأخير أجر العامل ومماطلته دون عذر شرعي.

وكل هذه الصور يصدق عليها اسم الظلم.. وجاء الوعيد في ذلك شديدًا..

عن النبي {صلي الله عليه وسلم= r }قال: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه ولم يعطه أجره». [رواه البخاري].

أخي المسلم: ذاك هو الظلم.. وتلك هي عواقبه الرديئة! خلق لا يتخلق به إلا أسوأ الناس حظًا في المكارم! فاحذر أن تكون منهم.. وانج بنفسك عن طريق الظالمين..

وأعانني الله تعالى وإياك على فعل الصواب.. ورزقني وإياك حسن المآب..

والحمد لله تعالى.. والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه..

 

===

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجامع لأحكام الجنائز {ج 2 و ج 4.}في سؤال وجواب المؤلف ندا أبو أحمد

  2ـ المشروع والممنوع بعد الوفاة M إن الحمد لله تعالى نحمده     ونستعينه   ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ...