❷ سارعوا إلي ربكم وجنة

وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)

الاثنين، 2 مايو 2022

الجامع لأحكام الجنائز {ج 2 و ج 4.}في سؤال وجواب المؤلف ندا أبو أحمد

 


2ـ المشروع والممنوع بعد الوفاة

M

إن الحمد لله تعالى نحمده   ونستعينه  ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا،  من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا ِِإله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.....

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }         (سورة آل عمران: 102)

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}     (سورة النساء: 1)

 

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }          (سورة الأحزاب:70،71)

 

 

أما بعد...،

فإن أصدق الحديث كتاب الله – تعالى- وخير الهدي هدي محمد r وشر الأمور محدثاتها، وكل

محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

 

قبل الكلام عن المشروع والممنوع (ما ينبغي فعله) بعد الوفاة،

هناك بعض الأمور التي ينبغي الوقوف عليها:-

1ـ أعمار هذه الأمة مابين الستين إلى السبعين سنة، ولا يجاوز ذلك إلا القليل:

أخرج البخاري عن أبي هريرة t أن الرسولr قال:

"أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجاوز ذلك"

 

2ـ يستحب أن يتمنى الإنسان الموت في أرض مباركة كما كان عمر t يتمنى ذلك

فقد كان يتمنى أن يموت بالمدينة:

فقد أخرج البخاري أن عمر t كان يدعو فيقول:

"اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتى في بلد رسولك"                   (البخاري)

وكما دعا موسي u ربه عند الموت أن يدنيه من الأرض المقدسة

قال البخاري ـ رحمه الله ـ:

باب "من أحب الدفن في الأرض المقدسة ونحوها"

 

3ـ ينبغي على الإنسان أن يغتنم عمره باكتساب الطاعات:

فقد أخرج الترمذي وابن ماجة عن حديث أبي هريرة t قال: سمعت رسول الله r يقول: " ألا أُنَبِّئكُم بخياركم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: خياركم أطولكم أعماراً، وأحسنكم أعمالاً"

وليعلم أنه إذا بلغ الستين فقد أعذر الله إليه.

فقد أخرج ابن حبان وأحمد من حديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال:

"من عمَّره الله ستين سنة، فقد أعذر إليه في العمر"

قال الحافظ – رحمه الله- كما في فتح الباري (11/240):

الإعذار: إزالة العذر، والمعنى: أنه لم يبق له اعتذار، كأن يقول: لو مدَّ لي في الأجل لفعلت ما أمرت به، يقال: أعذر إليه إذا بلغ أقصى الغاية في العذر ومكَّنه منه.

 

 

س:ما الذي ينبغي فعله مع الميت بعد الوفاة ؟

هناك أمور ينبغي فعلها تجاه الميت بعد الوفاة منها:-

1ـ تغميض عينيه والدعاء له:

فقد أخرج الإمام  مسلم من حديث أم سلمة – رضي الله عنها – قالت:

"دخل رسول الله r على أبي سلمة وقد شَقَّ بصَرُهُ فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قُبض تَبِعَه البصر، فضجَّ ناسٌ من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يُؤمِّنُون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين المقربين، واخلفه في عَقِبِه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونَوِّر له فيه"

ـ شَقَّ بصَرُهُ: شخص ورفع بصره، وقال النووي في شرح مسلم (2/583): وهو الذي حضره الموت وصار ينظر إلى الشيء لا يرتد إليه طرفه.

ـ الغابرين: الباقين، والمراد: كن خليفة له في ذريته.

قال الشافعي في الأم (1/248):

أول ما يبدأ من يحضر الميت من أوليائه، أن يتولى أرفقهم به إغماض عينيه.

والحكمة من تغميض العينين: ألا يقبح بمنظره لو ترك إغماضه، كما قال الله تعالى عن أصحاب الكهف: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً } (الكهف:18)

 

2- شـدُّ لحييه:

واللحيان: هما العظمان اللذان فيهما الأسنان، أي الفكَّان، وشدهما: أي ربطهما

قال الشافعي – رحمه الله – في كتابه الأم(1 /248):

يشد تحت لحييه عصابةٌ عريضة، وتربط من فوق رأسه، كي لا يسترخي لحيه الأسفل، فينفتح فوه ثم يحسو بعد الموت ولا ينطبق.

وقال ابن قدامة - رحمه الله - كما في المغني (2 /451):

ويستحب شد لحييه  بعصابة عريضة يربطها من فوق رأسه؛ لأن الميت إذا كان مفتوحَ العينين والفم فلم يغمض حتى يبرد، بقي الفم مفتوحاً، فيقبح منظره ولا يؤمن دخول الهوام فيه والماء في وقت غسله.

3ـ تليين مفاصله:

قال الشافعي – رحمه الله – في الأم (1/248):

يرد إليه يديه حتى يلصقهما بعضديه، ثم يبسطهما ثم يردهما ثم يبسطهما مرات؛ ليبقى ليناً إلى وقت دفنه، ففكتا وهما لينتان، ويلين كذلك أصابعه، ويرد رجليه من باطن حتى يلصقهما ببطون فخذيه كما وصفت فيما يصنع في يديه.

قال ابن قدامة - رحمه الله - كما في المغني(2 /456):

معني تليين المفاصل: هو أن يرد ذراعيه إلى عضديه، وعضديه إلى جنبيه، ثم يردهما ويرد ساقيه إلى فخذيه، وفخذيه إلى بطنه، ثم يردهما ليكون ذلك أبقى للين، فيكون لذلك أمكن للغاسل من تكفينه وتمديده وخلع ثيابه وتغسيله، قال أصحابنا: ويستحب ذلك في موضعين:

عقيب موته قبل قسوتها ببرودته، وإذا أخذ في غسله.

وإن شق ذلك لقسوة الميت أو غيرها تركه؛ لأنه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه، ويصير به ذلك إلى المثلة.

 

4ـ تجريده من جميع ثيابه برفق:

لئلا يخرج منه شيء يفسد به ويتلوث بها إذا نزعت عنه.

قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ كما في الشرح الكبير (2/214):

فإذا مات أغمض عينيه، وشد لحييه، ولين مفاصله، وخلع ثيابه، وسجَّاه بثوب يستره. أهـ

 

5ـ تغطية جميع بدنه بثوب:

فبعد أن يجردوه من ثيابه، يغطوه بثوب يستر جميع بدنه صيانة له عن الانكشاف

وذلك لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة t:

"أن رسول r حين تُوفِي سُجِّي ببردة [ببرد] حَبْرةٍ"

ـ سُجِّي: غطي.                       ـ بُردة: ثوب يشمل جميع البدن.

ـ حبرة: نوع من الثياب تصنع باليمن فيه أعلام.

وفي رواية في الصحيحين أيضاً عن عائشة – رضي الله عنها- قالت:

" سُجِّي رسول الله r حين مات بثوبٍ حَبرة"

قال النووي – رحمه الله – في هذا الحديث:

وفي الحديث استحباب تسجية الميت وهو مجمع عليه، وحكمته صيانته من الانكشاف، وستر عورته المتغيرة عن الأعين، قال أصحابنا: ويلف طرف الثوب المسجي به تحت رأسه وطرفه الآخر تحت رجليه لئلا ينكشف عنه، قالوا: تكون التسجية بعد نزع ثيابه التي تُوفِّي فيها لئلا يتغير بدنه بسببها.

فـائـدة:

من مات وهو محرم في حج أو عمرة لا يُغَطَّى رأسه ولا وجهه.

وذلك للحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- قال:

"بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته ـ أو قال: فأقعصته ـ الناقة،

فقال النبي r: اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنُوه في ثوبين ـ وفي رواية: في ثوبيه ـ

ولا تحَنِّطُوه ـ وفي رواية: ولا تطيبوه ـ ولا تُخَمِّرُوا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً".

ـ فوقصته: وطأته فكسرت رقبته.

وقـفـة:

يرى بعض أهل العلم: أن الميت يوضع على بطنه شيء بعد موته حتى يمنع من الانتفاخ.

فقد قال الشافعي ـ رحمه الله ـ في كتابه الأم (1/248):

ويوضع على بطنه شيء من طين أو لبنة أو حديدة سيف أو غيره، فإن بعض أهل التجربة يزعمون أن ذلك يمنع بطنه أن تربو.

وقال ابن قدامة في المغني (2 /452):

ويجعل على بطنه شيء من الحديد كمرأة أو غيرها؛ لئلا ينتفخ بطنه، فإن لم يكن شيء من الحديد فطين مبلول، ويستحب أن يلي ذلك منه أرفق الناس به بأرفق ما يقدر عليه. أهـ

وهذه من الأمور التي ليس عليها دليل صحيح وكل ما ورد في هذا الشأن أثر في مصنف ابن أبي شيبة في المصنف (3 /241) بسند ضعيف عن عامر قال:

كان يستحب أن يوضع السيف على بطن الميت

فمن قال بهذا ربما استند على هذا الأثر الضعيف، أو كان مرجعه في هذه المسألة إلى أهل التجربة كما ذكر الشافعي، لكن في هذا الزمان مع وجود إمكانية حفظ الميت كالثلاجات أو التكييف أو المبردات الهوائية، فإنه لا يحتاج إلى هذه الخطوة، ولاسيما أمر النبي r بتعجيل الدفن

ولكن إن تأخر الدفن، وكانت البلاد حارة، ربما احتاج لمثل هذا. والله أعلم.

 

 

 

6 – أن يُعَجِّلُوا بتجهيزه وإخراجه:

فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة t أن النبي r قال:

"اسرعوا بالجنازة فإن تك صالحه فخيرٌ تقدمونها عليه، وإن تكن غير ذلك فشرٌ تضعونه عن رقابكم"

وقول النبي r:  "اسرعوا بالجنازة" يدخل فيه سرعة تغسيله وتكفينه وتجهيزه، والإسراع في حملها إلى القبر،

وقد قال الإمام أحمد: كرامة الميت تعجيله.                                            (أحكام الجنائز للألباني)

قال ابن عثيمين – رحمه الله – الشرح الممتع (5/329) في الحديث السابق:

لكن ظاهره فيما لو كانت محمولة؛ لأن قوله: "فشرٌ تضعونه عن رقابكم"

ظاهر أن المراد بذلك الإسراع بها حين تشييعها، لكن نقول: إذا كان الإسراع في التشييع مطلوباً مع ما فيه من المشقة على المشيعين، فالإسراع في التجهيز من باب أولى.

ويشهد لهذا الحديث الذي أخرجه أبو داود وسكت عنه، والحديث ضعيف وفيه:

"أن النبي r زار طلحة بن البراء عندما مرض، فقال النبي r: لا أري طلحة إلا قد حدث به الموت،  فآذنوني به – أعلموني – حتى أشهده فأصلي عليه وعجِّلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله"

وأيضاً هناك حديث ضعيف أخرجه أحمد والترمذي أن الحبيب النبي r قال لعلىٍّ t:

"يا علىُّ ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفئاً "

ـ الأيم: التي لا زوج لها.                            (وفيه وهب بن سعيد، قال المناوي: وهو مجهول)

ملاحظة:

يجوز التأخير الغير مضر؛ وذلك لعذر أو لغرض، كانتظار من يُرْجَى منهم الخير والصلاح للصلاة عليه، أو انتظار وقت الصلاة المفروضة؛ ليكثر الجمع للصلاة عليه.

 

 

 

 

7ـ أن يدفنوه في البلد التي مات فيها:

فلا ينقل الميت إلى غير البلد التي مات فيها؛ لأن هذا ينافي الإسراع المأمور به في الحديث وفيه:

"اسرعوا بالجنازة"

ومما يدل على ذلك أيضاً ما أخرجه البيهقي بسند صحيح عن عائشة- رضي الله عنها-قالت: "لما مات أخٌ لي بوادي الحبشة، فحُمِلَ من مكانه قالت: ما أجدُ في نفسي ـ أو يحزنني في نفسي ـ إلا أني وددت أنه كان دُفِن في مكانه"

وقال النووي في الأذكار:

وإذا أوصى بأن ينتقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته، فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون وصرح به المحققون.

 

هذا وقد سئل الشيخ/ ابن باز ـ رحمه الله ـ كما في كتابه أحكام الجنائز:

إذا أوصى الرجل بنقله إلى بلد ليدفن فيه، هل تنفذ الوصية؟

فأجاب: تنفيذ الوصية هنا ليس لازماً، فإذا مات في بلد مسلم فليدفن فيه. والحمد لله.

وقال الشيخ الألباني – رحمه الله – في أحكام الجنائزصـ14:

ولا يفعلوا به ما ينافي الإسراع في دفنه؛ كأن ينقلوه من المكان الذي مات فيه إلى بلده؛ لأن ذلك ينافي الإسراع المطلوب، ثم هو منهي عنه، وقد قال الإمام أحمد: كرامة الميت تعجيله.

أهـ بتصرف

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تجهيز الميت

السؤال الأول من الفتوى رقم (2634):

س1: إذا مات الميت فكيف نجهزه؟ وهل نشيعه إلى المقبرة بالسكوت أم بالذكر والقراءة؟

جـ1:

أ ـ إذا حضرت المسلم الوفاة وجه إلى القبلة، حتى إذا تيقنت وفاته، غمضت عيناه ودعي له، ولا يذكر عنده إلا الخير، لما روى مسلم عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت:

"دخل رسول الله r على أبي سلمة وقد شَقَّ بصَرُهُ فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قُبض تَبِعَه البصر، فضجَّ ناسٌ من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يُؤمِّنُون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين المقربين، واخلفه في عَقِبِه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونَوِّر له فيه"

ويشد لُحياهُ لئلا يبقي فمه مفتوحاً بعد أن يبرد، وتنزع ثيابه عنه، ويُغَطَّى بثوب يستره جميعه، ويستحب الإسراع في تجهيزه لئلا يتغير، ثم يجرد لتغسيله، ويستر من سرته إلى ركبته حين تغسيله

ولا يحضر إلا من يعين في غسله، ويشرع الإسراع في قضاء دينه إبراءً لذمته، وتنفيذ وصيته لينتفع بثوابها، ويكفن في ثلاثة أثواب بيض، ويُصلَّى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ويُدْعى له بالمغفرة بعد دفنه.

 

ب ـ أما تشييعه إلى المقبرة فمع السكوت لا مع الذكر وقراءة القرآن عملاً بسنة الرسول r وخلفائه الراشدين، والقرون الأولى التي شهد لها رسول الله r بالخير.

وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء)

 

 

 

 

 

 

س: ما الذي يجب على أقارب الميت أن يفعلوه عند الوفاة ؟

الأمور التي يفعلها أقارب الميت حال الوفاة:-

1- الصبر والرضا والاسترجاع:

لقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }  (البقرة: 155ـ157)

ـ الاسترجاع وهو كما في الآية، أن يقول:{ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} ويزيد على ذلك ما أمرنا به النبي r.

فقد أخرج أبو داود عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قال رسول الله r:

"إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليقل: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم عندك احتسب مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني بها خيراً منها"

وأخرج الإمـام  مسلم عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قـالت:

سمعت رسول الله r يقول:

"ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره به الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها، قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: وأي المسلمين خير من أبي سلمة؟ فهو أول من هاجر إلى رسول الله r، تقول أم سلمة: ثم إني قلتها فأخلف الله لي بدلاً من أبي سلمة رسول الله r"

فعلى أقارب الميت إذا حلت بساحتهم مصيبة الموت أن يقولوا على التو والفور:

{ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} فهذه الآية كالماء البارد الذي ينزل على هذه القلوب المحترقة بلوعة الأسى والفراق فتطفي لهيبها، فتهدأ النفس، ويرتاح القلب

فقولهم: { إِنَّا لِلّهِ } إقرار بالعبودية والمُلْك لله، والمَلِكُ له حق التصرف في ملكه كيف يشاء.

وقولهم: {وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} فهذه الآية إقرار بأن هناك موت ثم بعث، فليحذروا من المخالفة

لأنهم على علم بأنهم راجعون إلى ربهم، وسيحاسبهم على الصغير والكبير، والنقير والقطمير، فيحملهم هذا على عدم المخالفة والتسخط، كما يحملهم على الرضا والصبر والاحتساب رجاء المثوبة والرفعة في الدرجات والفوز ببيت الحمد في الجنَّة

كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبي موسي الأشعريt أن رسول الله r

قال: "إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرةَ فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً قي الجنَّة وسموه بيتَ الحمد"

( صحيح الجامع:979)

والله U يعطي على الصبر ما لا يعطي على غيره.

فقد أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري t أن رسول الله r قال:

"من تصبر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر"

 

والصبر والاحتساب ليس له جزاء إلا الجنَّة

فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال:

"يقول الله تعالى: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احْتَسَبَهُ إلا الجنَّة"

وأخرج النسائي بسند حسن أن النبي r قال:

"إن الله لا يرضى بعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض فصبر واحتسب بثواب إلا الجنَّة"

ملاحظة:

هذا الأجر العظيم لمن صبر عند الصدمة الأولى:

ونقل الحافظ في الفتح (3/149) عن الخطابي في قوله:

واعلمي أختي المؤمنة إن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك، فإنه على الأيام يسلو.

فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس t قال:

"مرَّ رسول الله r بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال لها: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، قال: ولم تعرفه، فقيل لها: هو رسول الله r، فأخذها مثل الموت، فقالت: يا رسول الله إني لم أعرفك، فقال رسول الله r: إنما الصبر عند الصدمة الأولي"

ـ وفي رواية: إن الصبر عند أول الصدمة".

2- تنفيذ الوصية، ما لم تكن فيها جور أو ظلم أو مخالفة شرعية:

قال الحافظ – رحمه الله – كما في فتح الباري (5/357):

إن كانت الوصية غير جائزة أو غير ذلك من الأمور الغير معقولة فلا تنفذ. أهـ

 

3- المبادرة إلي قضاء دينه:

وذلك للحديث الذي أخرجه الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة t أن النبي r قال: "نفس المؤمن معلقة بدَيْنِه حتى يُقضى عنه"              (صححه الألباني في المشكاة: 5/29)

فلخطورة الأمر ينبغي على أولياء وأقارب الميت أن يسارعوا في قضاء الدين عن الميت.

أ ـ وقضاء الدين يكون بداية من مال الميت:

فقد أخرج الإمام  أحمد وابن ماجة والبيهقي بسند صحيح عن سعد بن الأطول  t:

"أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال لي رسول الله r: إن أخاك محبوس بدينه، فاذهب فاقض عنه،  فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت، قلت: يا رسول الله r قد قضيت عنه إلا دينارين ادَّعَتْهُمَا امرأة وليست لها بينة، قال: أعطها فإنها محقة"

ـ  وفي رواية: أعطها فإنها صادقة"

ـ محبوس بدينه: أي: محبوس عن الجنَّة

(والحديث ضعفه البعض؛ لأن فيه عبد الملك أبو جعفر وهو مجهول، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: 1550)

 

ب ـ فإن لم يكن عنده ما يقضي به الدَيْن، فيقضي عنه أحد أقاربه وهم أولى بذلك:

فقد أخرج أبو داود والنسائي من حديث سَمُرَة بن جُنْدُب t:

"أن النبي r صلَّى على جنازة فلما انصرف، قال: أهاهنا من آل فلان أحد، فسكت القوم ـ وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا ـ فقال: ذلك مراراً ثلاثاً، فلم يجبه أحد، فقال رجل: هو ذا، فقام رجل يجر إزاره من مؤخر الناس، فقال له النبي r: ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني، أما إني لم أنوه باسمك إلا لخير، إن فلاناً لرجل منهم مأسور بدينه عن الجنَّة، فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله، فلو رأيت أهله ومن يتحرون أمره قاموا فقضوا عنه حتى ما أحدٌ يطلبه بشيء".

جـ- فإن لم يوجد أحد من أقاربه يقضي عنه الدين، جاز لأي أحد أن يقضي عنه دينه:

فقد أخرج الحاكم من حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال:

"مات رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه ووضعناه لرسول الله r حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله r بالصلاة عليه، فجاء معنا فتخطى خطى، ثم قال: لعل على صاحبكم ديناً، قالوا: نعم. ديناران، فتخلف ثم قال: صلوا على صاحبكم، فقال له رجل منا: يقال له أبو قتادة يا رسول الله r هما عليَّ،  فجعل رسول الله r يقول: هما عليك وفي مالك، والميت منهما برئ، فقال: نعم. فصلى عليه، فجعل رسول الله r إذا لقي أبا قتادة يقول: ـ وفي رواية: ثم لقيه من الغد فقال: ـ ما صنعت الديناران، قال: يا رسول الله إنما مات أمس – حتى كان آخر ذلك

ـ وفي رواية: ثم لقيه من الغد ـ قال: قد قضيتُها يا رسول الله، قال: الآن حين بَرَدَتْ عليه جلده"

ـ حين بَرَدَتْ عليه جلده: أي بسبب رفع العذاب عنه بعد وفاء دينه.

فـائـدتــان:

قال بعض أهل العلم: المقصود بقول النبي r: " الآن حين بَرَدَتْ عليه جلده""

أي: استراح، وهذا يدل على أنه ما زال قلقاً حتى يقضى الدين، ولا يؤاخذ الميت لتحمل غيره عنه ولقول النبي r لأبي قتادة:

"هما عليك وفي مالك والميت منهما بريء"

فلا يلزم من قول النبي r: " الآن حين بَرَدَتْ عليه جلده": وقوع العذاب

وقال البعض: إن رفع العذاب لا يكون إلا بعد قضاء الدين عنه

 

2ـ جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما يفيد:

أن من مات وعليه أقساط لم يحل وقت سدادها، وتحمَّلها عنه غيره؛ فإنه تبرأ بذلك ذمة الميت، ولا يلزم التعجيل في سدادها، بل تسدد في أوقاتها؛ لأن المسلمين عند شروطهم.

 

 

 

د ـ فإن لم يكن له مال، ولم يوجد أحد من أقاربه يقضي عنه، ولم يتطوع أحد من المسلمين لقضاء دينه، فعلى الدولة أن تسد عنه:

يقول الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في كتابه أحكام الجنائز صـ14:

فإن لم يكن له مال، فعلى الدولة أن تؤدي عنه إن كان جهد في قضائه واستدل بالحديث الذي أخرجه الإمام  أحمد بسند صحيح عن عائشة-رضي الله عنها- قالت: قال رسول اللهr:

"من حمل من أمتي ديناً، ثم جهد في قضائه فمات ولم يقضه فأنا وليه"

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة t قال:

كان يُؤتى بالرجل عليه الدين، فيسأل رسول الله r: هل ترك لدينه فضلاً ؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلَّى، وإلا قال للمسلمين: صلُّوا على صاحبكم،  فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعلىَّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته.

قال الإمام النووي – رحمه الله – في شرح مسلم (11/60):

إنما يترك الصلاة عليه؛ ليحرص الناس على قضاء الدين في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها؛  لئلا تفوتهم صلاة النبي r، فلما فتح عليه عاد يصلي عليهم، ويقضي دين من لم يخلف وفاء. أهـ

 

هـ ـ فإن لم يكن له مال ولم يوجد أحد من أقاربه يقضي عنه، ولم يتطوع أحد، ولم تسد عنه الدولة ففضل الله واسع فنرجو أن يشمله الله برحمته التي وسعت كل شيء.

وقد جاء في الحديث: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه"

فائدة:

يُقْضَى الدين قبل الوصية

قال البخاري – رحمه الله – باب تأويل قول الله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ  دَيْنٍ}(النساء:11)

ويذكر أن النبي r قضي الدين قبل الوصية، وقوله U:

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}  (النساء:58)

فأداء الأمانة أحق من تطوع الوصية، وقال النبي r: "لا صدقه إلا عن ظهر غنى"

قال ابن حجر – رحمه الله –:

ولم يختلف العلماء أن الدَيْن يقدم على الوصية

س: ما هي الأمور التي لا يجوز على أقارب الميت فعلها؟

أولاً: النياحة([1]) والندب:

والندب: هو اسم للبكاء على الميت وتعديد شمائله ومحاسنه

والنياحة: أعمُّ من الندب, وهي رفع الصوت بالتحسر على الميت وندبه وتعديد شمائله، وهي محرمة  لأنها تهيج على الحزن، وترفع الصبر، وفيها مخالفة للتسليم للقضاء والإذعان لأمر الله تعالى.                                                                  (شرح مسلم:2/598، بتصرف)

قال ابن العربي – رحمه الله –:

النوح: ما كانت الجاهلية تفعله، كانت النساء يقفن متقابلات يصحن ويحثن التراب على رءوسهن ويضربن وجوههن.

وفي صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري أن النبي r قال:

"أربع من أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة"

قال النووي ـ رحمه الله ـ في شرح هذا الحديث:

فيه دليل على تحريم النياحة، وهو مجمع عليه.

وقال r كما في صحيح مسلم:

"النائحة إذا لم تَتُبْ قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب".

ـ والمعنى: يسلط على أعضائها الجرب والحكة بحيث يغطي بدنها تغطية الدرع وهو القميص.

وأخرج البخاري ومسلم عن أم عطية – رضي الله عنها – قالت:

"أخذ علينا النبي r عند البيعة أن لا ننوح، فما وَفََّت منا امرأة غير خمس نسوة..."

الحديث

قال النووي في كتاب الأذكار صـ233:

أجمعت الأمة على تحريم النياحة، والدعاء بدعوى الجاهلية، والدعاء بالويل والثبور على المصيبة.أهـ

وكان هذا الأمر من فعل الجاهلية، وربما أوصى أحدهم أولياءه بذلك عند موته.

فهاهو أبو فراس الحمداني وقد أصيب برمحٍ أودى بحياته يقول:

أَبُنَيَّتِي لا تجزعـي

كـل الأنـام إلى ذهـاب

نوحي عليَّ بحسرةٍ

من خلف سترك والحجاب

قـولي إذا ناديتني

زين الشبـاب أبو فـراس

ـ زين الشباب: لم يتمتع بالشباب

 

ويروي عن عمر بن الخطاب t:

"سمع صوت نوح في بيت، فدخل ومعه غيره، فمال عليهن ضرباً حتى بلغ النائحة فضربها حتى سقط خمارها وقال: اضرب فإنها نائحة لا حرمة لها، إنها لا تبكي لشجوكم، إنما تريق دموعها على أخذ دراهمكم، إنها تؤذي موتاكم في قبورهم، وأحياءكم في دورهم، إنها تنهى عن الصبر الذي أمر الله به، وتأمر بالجزع الذي نهى الله عنه"

تنبيه:

كما أن الإسلام حرم النياحة، فإنه كذلك حرم الإسعاد، والإسعاد هو أن تقوم المرأة بالنياحة فتقوم معها نساء أُخر يساعدنها على النياحة، ولا تزال هذه العادة السيئة عند كثير من النساء، وتردد إحداهن هذا المثل الجاهلي: "كل شيء دين حتى دموع العين"، لكن هذا كله من فعل عادات الجاهلية التي جاء الشرع وأبطلها.

فقد أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن أنس t:

"أن رسول الله r أخذ على النساء حين بَايَعْهُنَّ أن لا يَنُحْنَ، فقلن: يا رسول الله،

إن نساء أسعدتنا في الجاهلية أَفَنُسْعِدُهُنّ، فقال رسول الله r:لا إسْعَادَ في الإسلام"

وأخرج الإمام  مسلم من حديث أم سلمة –رضي الله عنها – قالت:

ولما مات أبو سلمة قلت: غريبٌ وفي أرض غُرْبَة لأبْكِيَنَّه بكاءً، يُتحدث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء عليه، إذ قبلت امرأة من الصعيد – عوالي المدينة- تريد أن تُسْعِدَني فاستقبلها رسول الله r، وقال: أتريدين أن تُدْخِلي الشيطان بيتاً أخرجه الله منه، فكففتُ عن البكاء فلم أبْكِ"

ـ تُسْعِدَني: أي تساعدني على البكاء والنوح.

إشكال والرد عليه:

جاء في الأحاديث أن الميت يُعَذَّب ببكاء أهله عليه.

فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث شعبة أن النبي r قال:

"الميت يُعَذَّب ببكاء الحيِّ عليه"

وعند البخاري ومسلم أيضاً من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي r قال:

" إن الميت يُعَذَّب ببكاء أهله عليه"

وأخرج البخاري في كتاب الجنائز (باب يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه):

أنه عندما طعن عمر بن الخطاب t دخل عليه صهيب يبكي يقول واأخاه، واصاحباه، فقال عمر t يا صهيب أتبكي علىَّ وقد قال رسول الله r: إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه"

وقد ذهب هذا المذهب أيضاً الترمذي – رحمه الله-: فقد روى حديث عمر tبلفظ:

" الميت يعذب ببكاء أهله عليه" ، ثم قال: وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت، قالوا: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وذهبوا إلى هذا الحديث

ملاحظة:

المقصود بالبكاء في هذه الأحاديث: هو البكاء الذي يصاحبه نوح.

ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت النبي r يقول:

"إن كذباً علىَّ ليس ككذبٍ على أحد، من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، سمعت النبي r يقول: من نِيح عليه يعذب بما نِيح عليه"

وعند البخاري أيضاً عن عمر t أن النبي r قال:

"الميت يعذب في قبره بما نِيح عليه"

أما البكاء الذي هو دمع العين، فلا مؤاخذة عليه ولا ذنب فيه.

قال الشوكاني في النيل (2/102):

فيجمع بين الأحاديث بحمل النهي عن البكاء مطلقاً ومقيداً بِبَعْدِ الموت على البكاء المفضي إلى ما لا يجوز من النواح والصراخ ...وغير ذلك، والإذن به على مجرد البكاء الذي هو دمع العين، ومالا يمكن دفعه من الصوت. أهـ

وهذا هو الرأي الذي ينبغي المصير إليه، ويدل عليه كذلك تبويب البخاري والحديث الذي ذكره: "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه"          أي: لا يُعَذَّب بكل بكاء.

فالبكاء الذي تدمع فيه العين ولا شق ولا لطم معه، لا يؤاخذ صاحبه به، وقد جاءت في ذلك نصوص كثيرة تذكرها بمشيئة الله في مبحث: "ما يباح لأهل الميت فعله" وسيأتي...

وقد نقل النووي – رحمه الله-:

الإجماع على أن المراد بالبكاء في الحديث: هو البكاء بصوت ونياحة، فقال – رحمه الله-: وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا: البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين.

ونأتي هنا إلى الإشكال وفيه أن عائشة ـ رضي الله عنهاـ أنكرت أن يكون الرسول r قد قال هذا: أي: "إنما يعذب الميت ببكاء الحي عليه"

ففي صحيح البخاري أن ابن عباس – رضي الله عنهما- ذكر لعائشة ما قاله عمر t بعد وفاته، فقالت: "رحم اللهُ عمرَ، والله ما حَدَّثَ رسول الله r أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن الرسول r قال: إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، حسبكم القرآن: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (فاطر:18)

فكيف الرد على هذا الإشكال؟ وكيف يمكن الجمع بين حديث عائشة – رضي الله عنها- وباقي الأحاديث السابقة والتي فيها: "أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" ؟

أولاً: وقبل الجمع بين حديث عمر وحديث عائشة – رضي الله عنهما - لابد أن نعلم أن إنكار عائشة لكلام عمر t لا يعني ذلك صحة ما ذهبت إليه عائشة – رضي الله عنها -، فكونها أنها لم تسمع، لا يعني أن هذا لم يحدث، فالمثبت مقدَّم على النافي لأنه عنده مزيد علم.

قال القرطبي- رحمه الله – كما قال في فتح الباري (3/154):

إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة، أو النسيان، أو على أنه سمع بعضاً ولم يسمع بعضاً فهذا كله بعيد؛ لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح.

إذاً: كيف نجمع بين الأدلة في كون الميت يعذب ببكاء أهله، وبين قوله تعالى:

{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}

اختلف العلماء في الجواب عن ذلك إلى ثمانية أقوال أقربها إلى الصواب هي:

أنهم يبكون عليه وإنه ليعذب في قبره.

 

أنه يعذب بتوبيخ الملائكة له بسبب تعديد شمائله ومحاسن أفعاله.

كما جاء في صحيح البخاري عن النعمان بن بشير قال:

"أُغمي على عبد الله بن رواحة t فجعلت أخته عمرة تبكي [وتقول]: واجبلاه، واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً إلا قيل لي، أنت كذلك؟! فلما مات لم  تبكِ عليه"

بل إن هذا المعني ورد صريحاً في الحديث الذي أخرجه الترمذي بسند حسن من حديث أبي موسي الأشعري t أن رسول الله r قال:

"ما من ميت يموت فيقوم باكيه، فيقول: واجبلاه، واسيِّداه...أو نحو ذلك، إلا وُكِّلَ به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت؟!"

ـ اللهز: هو الدفع بجمع اليد في الصدر (أو اللهزمة والرقبة) .

ولعل هذا ما كان يقصده عمر؛ ولذا فإنه نهى أخاه صهيب عن النواح والتعديد عليه.

قال الحافظ في الفتح ضمن التأويلات التي تأولها فقال:

وهذه الأحاديث تدل على أن العذاب هو توبيخ الملائكة.

 

3- إن معني يعذب: أي يتألم بسماعه بكاء أهله عليه، ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، وليس يوم القيامة، وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره، ونصره ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – كما في مجموع الفتاوى (24/374):

وأما تعذيب الميت، فالنبي r لم يقل: "إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه" بل قال: "يعذب" والعذاب أعم من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب ذلك عقاباً له على ذلك السبب، فإن النبي r قال كما في مسند الإمام أحمد:

"السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه" فسمي السفر عذاباً وليس عقاباً.

(صحيح الجامع:3686)

والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها مثل: الأصوات الهائلة، والروائح الخبيثة، والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا، وشَمُّ هذا، ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملاً له عوقب عليه.

فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة، وإن لم تكن النياحة عملاً له يعاقب عليه؟!.

4ـ إن حديث عمر محمول على مَن أوصى بالنواح عليه، أو كان يعلم أنهم سيفعلون هذا من بعده ولم ينهاهم، أو أن النواح من سنته، وهذا هو قول الجمهور، وهو الراجح إن شاء الله.

أهـ باختصار من فتح الباري(3/150)

وقد ترجم البخاري لحديث عمرt باب "قول النبي r: "يعذب الميت ببعض ما ينح عليه" إذا كان النوح من سنته ، وإن لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة – رضي الله عنها –:

{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – كما في فتح الباري(3/351) تعليقاً على كلام البخاري:

وتقيد ذلك بمن كانت تلك سنته أو أهمل النهي عن ذلك، فالمعني على هذا أن الذي يعذب ببعض بكاء أهله من كان راضياً بأن تكون تلك طريقته. ولذلك قال المصنف (البخاري): فإذا لم يكن من سنته، أي كمن لا شعور عنده بأنهم يفعلون شيئاً من ذلك أو أدَّى ما عليه؛ بأن نهاهم فهذا لا مؤاخذة عليه بفعل غيره. أهـ من كلام الحافظ

وقال عبد الله بن المبارك – رحمه الله-:

أرجو إن كان ينهاهم في حياته أن لا يكون عليه من ذلك شيء "                   (فتح الباري: 3/351)

وقال القرطبي – رحمه الله – كما في التذكرة صـ102:

قال بعض العلماء أو أكثرهم: "إنما يعذب الميت ببكاء الحي عليه" إذا كان البكاء من سنة الميت واختياره، كما قال بعضهم:

إذا أنا متُّ فانعيني بما أنا أهله

وشُقِّي علىَّ الجَيْبَ يا ابنةَ معبد

وكذلك إذا وصَّى به. أهـ

وقال ابن الأثير في جامع الأصول (103):

وقد كان النواح ولطم الخدود وشق الجيوب من شأن أهل الجاهلية، وكانوا يوصون أهاليهم بالبكاء والنوح علهيم وإشاعة النعي في الأحياء، وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم، وموجوداً في أشعارهم كثيراً، فالميت تلزمه العقوبة في ذلك؛ لما تقدم إليهم في وقت حياته

وقال النووي – رحمه الله – في شرح مسلم:

واختلف العلماء في هذه الأحاديث فتأولها الجمهور على من أوصى بأن يُبْكَى ويناح بعد موته، فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم؛ لأنه بسببه ومنسوب إليه، قالوا: فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه، فلا يعذب، لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (فاطر:18)

ثانياً ـ ومن الأمور المنهي عنها: ضروب الخدود،  وشق الجيوب،  والدعاء بدعوى الجاهلية: وهي من الأمور المحرمة

وذلك للحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود t  أن النبي r قال: "ليس منا من لطم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية"

قال الحافظ في الفتح (3/195):

قال المهلب: قوله: "ليس منا" ليس متأسياً بسنتنا، ولا ممتثلاً لطريقتنا التي نحن عليها،

كما قال r:" ليس منا من غشنا" لأن لطم الخدود، وشق الجيوب من أفعال الجاهلية.

وقوله:"لطم الخدود" خص الخد بذلك؛ لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك،

وقوله: "وشق الجيوب" جمع جيب، وهو ما يفتح من الثوب؛ ليدخل فيه الرأس،

والمراد بشقه: إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات التسخط

وقوله: "ودعا بدعوى الجاهلية" ـ وفي رواية مسلم: "بدعوى أهل الجاهلية"

أي: من النياحة ونحوها، وكذا الندبة كقولهم: "واجبلاه" ,وكذا الدعاء بالويل والثبور.أهـ

وندبة الميت في هذا الزمان هي التعديد المعروف عند النساء تقول إحداهنَّ: "يا سبعي، يا جملي"

مما هو مشهور, وهذا كله منهي عنه.

فقد أخرج البخاري من حديث النعمان بن بشير tقال:

"أُغمي على عبد الله بن رواحة t فجعلت أخته عَمْرَةُ تبكي: واجبلاه، واكذا تُعَدِّدُ عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً إلا قيل لي، أنت كذلك؟!، فلما مات لم  تبكِ عليه"

أي: تعدد عليه وتندبه.

أخرج الترمذي من حديث أبي موس الأشعري t أن الرسول r قال:

"ما من ميت يموت فيقوم باكيه، فيقول: وإجبلاه !واسيِّداه! أو نحـو ذلك، إلا وُكِّل بــه ملكـان يلهزانه ؛أهكذا كنت؟"                     (صححه الألباني في صحيح الترمذي:801)

تنبيه:

هناك حديث أخرجه الإمام  أحمد عن أبي موسي الأشعري t مرفوعاً:

"إن الميت ليعذب ببكاء الحي، فإذا قالت النائحة: واعضُداهُ، وامانعاه، وناصراه، واكاسياه، فقيل له: أناصرها أنت؟ أكاسيها أنت؟ أعضُدُها أنت ؟"

(وهذا الحديث ضعيف ضعفه الألباني في ضعيف الجامع:1793)

فلطم الخدود، وشق الجيوب، والتعديد، والندب كلها من فعل الجاهلية

كما كان البعض منهم يقول لزوجته وهو على فراش الموت:

إذا أنا متُّ فانعيني بما أنا أهله

وشُقِّي علىَّ الجَيْبَ يا ابنةَ معبد

ثم جاء الإسلام ونهى عن هذه الأمور؛ لأنها تدل على التسخط ،وعدم الرضا بقضاء الله.

 

ثالثاً ـ ومن الأمور المنهي عنها: حـلـقُ الشـعـر عند نزول المصيبة:

وهو محرم.

فقد أخرج البخاري من حديث أبي بُردة بن أبي موسى قال:

"وجع أبو موسى وجعاً فغُشِيَ عليه، ورأسه في حِجْر امرأةٍ من أهله، فصاحت امرأةٌ من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً، فلما أفاق قال: أنا بَرِيءٌ ممن بَرِئَ منه رسول الله r، فإن رسول الله r برئ من الصالقة والحالقة والشاقة"

ـ الصالقة: هي التي ترفع صوتها بالنياحة عند الفجيعة بالموت، أو عند نزول المصيبة.

ـ الحالقة:  هي التي تحلق رأسها عند المصيبة.

ـ الشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.

قال النووي – رحمه الله- كما في الأذكار صـ145:

وكل هذا حرام باتفاق العلماء، وكذلك يحرم نشر الشعر، ولطم الخدود، وخمش الوجه، والدعاء بالويل.

 

رابعاً ـ ومن الأمور المنهي عنها: نـشر الشـعـر:

وهو نفشه ونشره وتفريقه عند المصيبة، وهو محرم.

فقد أخرج أبو داود بسند صحيح أن امرأة ممن بايعت الرسول r قالت:

"كان فيما أخذ علينا رسول الله r في المعروف الذي أخذ علينا، أن لا نعصيه فيه، وأن لا نخمش وجهاً، ولا ندعو ويلاً، ولا نشق جيباً، وأن لا ننشر شعراً"

ـ أن لا نخمش وجهاً: أي لا نجرح وجهنا بالظفر، وهو ما ينتج عن لطم الخدود، أو تعمد جرح الوجه بالأظافر.

ـ ولا ندعو ويلاً: لا نندب بـ(ياويلاه)

ـ أن لا ننشر شعراً: أن لا ننفش شعراً.

خطأ يقع فيه الرجال:

وإعفاء بعض الرجال لحاهم أياماً قليلة حُزناً على ميتهم، ثم بعد ذلك يعودوا إلى حلقها، فهذا الإعفاء في معنى نشر الشعر، فالأصل أن يعفوها ولا يحلقوها

قال ابن القيم كما في زاد المعاد (1/527):

وكان من هديه r السكون والرضا بقضاء الله، والحمد لله والاسترجاع، ويبرأ ممن خرق لأجل المصيبة ثيابه، أو رفع صوته بالندب والنياحة أو حلق لها شعره

 

هذا وقد وجه سؤال إلى سماحة الشيخ/ ابن باز – رحمه الله – وفيه:

ما حكم الشرع في النساء اللاتي يلطمن خدودهن عند حدوث حالات وفاة؟

فأجاب - رحمه الله -:

لطم الخدود، وشق الجيوب، والنياحة عند المصيبة، كل ذلك محرم لا يجوز.

لقول النبي r: "ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية".

(متفق عليه)

وقوله r: "أنا برئ من الصالقة والحالقة والشاقة".                                           (متفق عليه)

وقال رسول الله r:

"أربع من أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة"                                             (رواه مسلم)

وقال r: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب"                                                                                   (رواه مسلم في صحيحه)

 

فالواجب عند المصيبة الصبر، والاحتساب، والحذر من هذه الأمور المنكرة، والتوبة إلى الله مما سلف من ذلك. لقول الله سبحانه:{ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  *  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}

وقد وعدهم الله خيراً كثيراً فقال: {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}

(البقرة:155ـ157)

(فتاوى المرأة صـ40-41)

 

 

 

سؤال: هل يجوز لبس الثوب الأسود حزناً على المُتَوَفَّى، وخاصة إذا كان الزوج ؟

فقال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله – كما في فتاوى المرأة صـ65:

لبس السواد عند المصائب إشعار باطل لا أصل له، والإنسان عند المصيبة ينبغي له أن يفعل ما جاء به الشرع، فيقول: "إن لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي ،واخلف لي خيراً منها"

فإذا قال ذلك بإيمان واحتساب، فإن الله سبحانه وتعالى يأجره على ذلك، ويبدله بخير منها، أما ارتداء السواد وما شابهه فهو لا أصل له. وهو أمر باطل ومذموم. أهـ

 

خامساً ـ ومن الأمور الممنوعة: ألا ينعوه نعياً منهياً عنه:

والنعي: هو الإخبار بموت الميت، والنعي نعيان: نعي ممنوع، ونعي مشروع.

والنعي المشروع: هو الإخبـار عن وفاة الميت؛ لكي يجتمع الناس لتجهيزه، والصلاة عليه، ودفنه ... ونحو ذلك. ومما يدل على هذا:-

1ـ ما أخرجه البخاري عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ:

"أن رسول الله r مر بقبر قد دُفِنَ ليلاً، فقال: متى دُفِنَ هذا؟ قالوا: البارحة، قال: أفلا آذنتموني؟ ـ وفي رواية: ما منعكم أن تعلموني، قالوا: دفناه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك، فقام فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلَّى عليه"

2ـ وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة t:

"أن رسول الله r نعي النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلَّى فصف بهم وكبر أربعاً"

ـ النَجاشي: بفتح النون على المشهور، وقيل: تكسر، واسمه: "أصحمة بن أبحر" ملك الحبشة، والنجاشي لقب له.

قال النووي ـ رحمه الله ـ في شرح هذا الحديث:

فيه استحباب الإعلام بالميت لا على صورة نعي الجاهلية، بل مجرد إعلام للصلاة عليه، وتشييعه، وقضاء حقه في ذلك، والذي جاء من النهي عن النعي ليس المراد به هذا، وإنما المراد نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر وغيرها.

3ـ وعند البخاري أيضاً من حديث أنس t قال: قال النبي r (يوم مؤتة):

"أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب – وإن عَيْنَيّ رسول الله r – لتذرفان - ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له"

وقد ترجم البخاري لهذين الحديثين: باب الرجل الذي ينعى إلى أهل الميت بنفسه.

قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله- في الفتح (3/117):

وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعاً كله، إنما نهي عمَّا كان أهل الجاهلية يصنعون، وكان يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق. أهـ

وكذلك النعي بقصد الفخر والخيلاء، كقولهم: مات اليوم فلان، وكان كذا، وأبوه كذا، وقريبه كذا،

أو النعي على رءوس المنائر.

وقال ابن المرابط:

إن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله لكن في تلك المفسدة مصالح جمَّة لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وما يترتب على ذلك من الأحكام

فهذه الأحاديث تدل على أن مجرد الإعلام بالموت لا يكون نعياً محرَّمَاً

 

وهناك آثار عن الصحابة والتابعين تدل على مشروعية النعي منها:-

ـ ما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في السنن بسند حسن عن يحيى بن عبد الحميد بن رافع عن جدته:

أن رافع بن خديج مات بعد العصر، فأتى ابنُ عمرَ فأخبر بموته، فقيل له: ما ترى، أيخرج بجنازته الساعة؟ فقال: إن مثل رافع لا يُخْرَجُ به حتى يؤذن به من حولنا من القرى، فأصبحوا فأخرجوا بجنازته.

ـ وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن محمد بن سيرين ـ رحمه الله ـ:

أنه كان لا يرى بأساً أن يُؤْذِنَ الرجلُ حميمهُ وصديقهُ بالجنازة

وقال الحافظ في نفس المصدر السابق (3/117):

وحاصله: أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا.

وقد كان بعض السلف يشدد في ذلك حتى كان حذيفة إذا مات له ميت يقول:

"لا تؤذنوا به أحداً، إني أخاف أن يكون نعياً، وإني سمعت رسول الله r بأُذُنَيَّ هاتين ينهى عن النعي".

(أخرجه الترمذي، وابن ماجة بسند حسن حسنه الشيخ الألباني، وضعفه بعض أهل العلم)

 

ثم أورد الحافظ كلام ابن العربي - رحمه الله – فقال:

يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:-

الأولـى: إعلام الأهل، والأصحاب، وأهل الصلاح، فهذه سنة.

الثانية: الدعوة للمفاخرة بالكثرة، فهذا مكروه.

الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة... ونحو ذلك، فهذا يحرم.أهـ

ـ ولعل النعي المنهي عنه الذي يقصده حذيفة t في الحديث السابق، هو من جنس الحالة الثانية والثالثة التي ذكرها ابن العربي

وعلى هذا تحمل الآثار التي تنهي عن النعي ومنها:-

ـ ما أخرجه عبد الرازق في مصنفه عن محمد بن زيد العمري:

أن ابن عمر t كان يتحين بجنائزه غفلة الناس

ولعل هذا قبل أن يعرف ابن عمر فضل الاجتماع على صلاة الجنازة، ويدل على هذا حديث رافع بن خديج الذي مر بنا.

ـ وأخرج سعيد ابن منصور بسند صحيح عن ابن عون قال:

قلت لإبراهيم: أكانوا يكرهون النعي؟ قال: نعم.

ـ وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه جملة من الآثار:-

* عن أبي وائل أنه قال عند موته: " إذا أنا مت فلا تؤذنوا بي أحداً"

* وقال مطرف: " لا تؤذنوا بجنازتي أحداً"

* وعن نصر بن عمران بن عصام الضبعي قال:

"لا تؤذنوا بجنازتي أهل مسجدي"

وكل هذه الآثار التي تنهي عن النعي محمولة على النعي المصحوب بالمفاخرة بالأحساب، وتعديد المآثر، والصياح والعويل، وما يتحف به من أفعال الجاهلية.

قال النووي ـ رحمه الله ـ كما في المجموع:

والصحيح الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة: أن الإعلام بموته لمن لم يعلم ليس بمكروه، بل إنْ قصد به الإخبار لكثرة المصلين فهو مستحب، وإنما يكره ذكر المآثر والمفاخر والتطواف بين الناس يذكره بهذه الأشياء، وهذا نعي الجاهلية المنهي عنه، فقد صحت الأحاديث بالإعلام، فلا يجوز إلغاؤها، وبهذا الجواب أجاب بعض أئمة الفقه والحديث المحققين. والله أعلم.أهـ

وقال ابن عبد البر في كتابه التمهيد (6/258):

في حديث المرأة السوداء ـ التي توفيت ودفنت دون علم من النبي r، فقال لصحابته:

"أفلا آذنتموني" ـ جواز الإذن بالجنازة، وذلك يرد قول من كره ذلك، والحجة في السنة لا فيما خالفها، وقد قال النبي r: "لا يموت أحدٌ من المسلمين فيصلى عليه أمةٌ من الناس يبلغون مائة فيشفعون له إلا شُفِّعُوا فيه"

ففي هذا دليل على إباحة الإشعار بالجنازة والاستكثار من ذلك بالدعاء، وقد أجمعوا أن شهود الجنائز خير وعمل بر، وأجمعوا أن الدعاء إلى الخير من الخير.أهـ

فالحاصل: أن الإعلام للغسل، والتكفين، والصلاة، والحمل، والدفن، مخصوص من عموم النهي.

وقال الألباني في أحكام الجنائز صـ32:

ويجوز إعلان الوفاة إذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية، وقد يجب ذلك إذا لم يكن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه... ونحو ذلك.

 

س: هل يجوز النعي في المساجد؟

جـ: ذهب فريق من أهل العلم: إلى المنع من ذلك.

واستدلوا بالأدلة التي تنهى عن النعي

وقالوا كذلك: إن النعي في المساجد يلبس ويشوش على الناس صلاتهم وقراءتهم.

قال ابن رشد ـ رحمه الله ـ كما في التاج والإكليل (2/241):

أما النداء بالجنازة في المسجد فلا يجوز لكراهة رفع الصوت في المسجد.

وفي نفس المصدر قال ابن القاسم ـ رحمه الله ـ:

سُئل مالك عن الجنائز يؤذن بها على أبواب المساجد فكره ذلك، وكره أيضاً أن يُصاح في المسجد بالجنازة ويؤذن بها، وقال: لا خير فيه، وقال: لا أرى بأساً أن يدار في الحِلَق يؤذنُ الناس بها ولا يرفع بذلك صوته. أهـ

وهذا ما كان يفعله أبو هريرة t

فقد أخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عروة قال:

"تُوفِّي رجل، قال: فجعل أبو هريرة يمر بالمجالس، ويقول: إن أخاكم فلاناً تُوفِّي فاشهدوا جنازته"

 

لكن ذهب فريق آخر من أهل العلم: إلى جواز النعي في المساجد،

واستدلوا بما يلي:-

1ـ ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك t قال:

" خطب النبي r فقال: أخذ الراية زيد فأصيب ...."   الحديث

وفي رواية عند الطبراني:

" نعى رسول الله r أصحاب مؤتة على المنبر رجلاً رجلاً، بدأ بزيد بن حارثة"

2ـ وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة t:

"أن رسول الله r نعي النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلَّى فصف بهم وكبر أربعاً"

3ـ وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن إياس بن معاوية قال:

"جلست إلى سعيد بن المسيب، فقال لي: ممن أنت ؟ قلت: من مزينةَ، قال: إني لأذكر يوم نعى عمرُ بنُ الخطاب النعمان على المنبر"

4ـ وكذلك لما نعى أبو بكرt النبي r للناس ...                 (والحديث عند البخاري)

وفي بعض الروايات جاء فيها: " فقام أبو بكر فصعد المنبر"     (أخرجها ابن ماجة بسند فيه مقال)

 

ـ أما مسألة أن النعي في المساجد يشوش ويلبس على الناس صلاتهم وقراءتهم

فالرد على هذا:

إنه قد ثبت في السنة رفع الصوت في المسجد من أجل الخصومة، ولم ينكر النبي r ذلك.

فقد أخرج البخـاري في باب " رفع الصوت في المساجد" وعند مسلم كذلك من حديث

عبد الله بن كعب بن مالك: " أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديْناً كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله r وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى: يا كعب، قال: لبيك يا رسول الله، قال: ضع من دينك هذا، وأومأ إليه أي الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: قم فاقضه"

قال النووي- رحمه الله- في شرح هذا الحديث: قال القاضي: قال مالك وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك ـ رحمه الله ـ رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة ... وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجمعهم ولابد لهم منه. أهـ

ويتضح مما سبق:

أنه إذا جاز رفع الصوت في المسجد للعلم أو للخصومة، فيجوز للنعي حتى يكثر عدد المصلين، وهذا أنفع للميت، وكذا لمن حضر الصلاة عليه حتى يرجع بقيراط في الجنة، أضف إلى هذا أنه يمكن أن يعلن الناعي في السماعات الخارجية للمسجد ويغلق الداخلية، فيتم الإعلام والإخبار دون تشويش على مَن بداخل المسجد.

وأميل في هذه المسألة إلى أمر وهو: إن كان الإخبار عن الميت في المساجد عن طريق المنـائر

فلا يذكر اسم الميت؛ لأن هذا جرَّ الناس إلى تعديد شمائله، ومآثر عائلته، وهذا يشبه نعي الجاهلية، والمنائر لم تُبنَ لهذا، لكن عليه أن يعلن فقط عن وجود صلاة جنازة بالمسجد دون ذكر للاسم، وهذا سيفي بالغرض (وهو اجتماع الناس للصلاة عليه).

ـ أما إن كان سيتم الإعلان والإخبار عن الميت داخل المسجد، وعدم إعلان ذلك على المنائر فلا مانع من ذكر اسمه كما فعل النبي r وأصحابه. والله أعلم

 

هذا وقد وجه هذا السؤال إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وفيه:

س: هل يجوز الإعلان بوفاة من يموت في القرية على سبورة موضوعة في المسجد خصيصاً لهذا ؟ مع العلم أنه يوجد من يقوم بغسل الميت وتكفينه، أما الصلاة عليه فإنه يصلى عندنا بعد الظهر أو العصر في المسجد على الجنازة

 

جـ:أولاً: الإعلان عن وفاة الميت بشكل يشبه النعي المنهي عنه لا يجوز، وأما الإخبار في أوساط أقاربه ومعارفه من أجل حضور الصلاة، وحضور دفنه، فذلك جائز وليس من النعي المنهي عنه، لأن النبي r  لما مات النجاشي بالحبشة أخبر المسلمين بموته وصلى عليه

ثانياً: لا ينبغي اتخاذ لوحة في المسجد للإعلان فيها عن الوفيات وأشباهها، ذلك لأن المساجد لم تبن لهذا.                                                               (فتوى رقم: 4276)

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء)

 

 

 

 

سادساً ـ ومن الأمور المنهي عنها:  قراءة القرآن على الميت:

وهذه من الأمور المحدثة التي أحدثها الناس واستحسنوها، ظناً منهم أن هذا ينفع الميت

والنبي r لما دخل على أبي سلمة بعد موته قال:

"إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يُؤَمِّنون على ما تقولون "

(أخرجه مسلم)

ولم يأمرهم r بقراءة قرآن، أو بعض السور، أو الفاتحة، كما يفعل بعض العوام، ولا يمكن أن يؤخر النبي r البيان عن وقت الحاجة، وإن كان فيه خير لدلنا عليه النبي r، ولا يحرمنا منه قطعاً، ولفعله الصحابة أو السلف.

وهناك من يقرأ سورة يس على الموتى استناداً للحديث الذي لا يصح،

والحديث أخرجه الإمام  أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم عن معقل بن يسار مرفوعاً: "اقرءوا على موتاكم يس "

(قال المناوي في فيض القدير (2/67) قال النووي في الأذكار: إسناده ضعيف، وقال الدارقطني: لا يصح في الباب حديث،

... وضعفه الألباني في ضعيف الجامع:1170)

فقد قال صاحب تفسير المنار – رحمه الله – (8/268):

إن حديث قراءه سورة يس على الموتى غير صحيح، وإن أريد به من حضرهم الموت، وإنه لم يصح في هذا الباب حديث قط، وهذا هو قول الدارقطني.أهـ

 

هذا وقد وجه سؤال إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

فتوى رقم (1004) وفيها:

س: ما الذي يقصد بحديث: "اقرءوا على موتاكم يس" ؟

جـ: روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان، والحاكم، عن معقل بن يسار عن النبي r أنه قال:"اقرءوا على موتاكم يس "

ولفظة عند الإمام  أحمد: "يس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤها على موتاكم "

هذا حديث صححه ابن حبان، وأعلَّه يحيي بن القطان بالاضطراب والوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه المذكورين في سنده،

وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث.

 

وعلى هذا فلسنا بحاجة لشرح الحديث؛ لعدم صحته، وعلى تقدير صحته؛ المراد به، قراءتها على من حضرته الوفاة ليتذكر، ويكون آخر عهده بالدنيا سماع تلاوة القرآن، لا قراءتها على من مات بالفعل، وحمله بعضهم على ظاهره، فاستحب قراءة القرآن على الميت بالفعل لعدم وجود ما يصرفه عن ظاهره، ونوقش بأنه لو ثبت الحديث، وكان هذا المراد منه لفعله النبي r ونقل إلينا لكنه لم يكن ذلك كما تقدم، ويدل على أن المراد بالموتى في هذا الحديث لو صح (المحتضرون)؛

ويدل على هذا ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي r قال:

" لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " فإن المراد بهم المحتضرون

كما في  قصة أبي طالب عم النبي r

وبالله التوفيق – وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء)

وهناك من يقرأ على رأس الميت بفاتحة البقرة، وعند رجليه بخاتمتها اعتماداً على حديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (3 /208) والخلال في القراءة عند القبور) عن ابن عمر مرفوعاً وفيه: " إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمتها "                                     "لكن الحديث ضعيف جداً"

 

سابعاً ـ ومن الأخطاء التي يقع فيها البعض: أن يمنعوا دخول الزوجة على زوجها الميت:

فالبعض يعتقد أن الزوج إذا مات حرمت عليه زوجته وتمنع من الدخول عليه؛ لأن العقد بطل بموت أحد المتعاقدين، وهذا اعتقاد خاطئ وفهم مغلوط، فالله U وصفها في الكتاب بعد الموت بأنها زوجة، فقال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ}  (النساء:12)

وجاء في السنة ما يؤكد على خطأ هذا الاعتقاد، فللزوجة أن تدخل على زوجها بعد موته، بل ولها أن تغسله كذلك، وللزوج أن يغسل زوجته بعد موتها كذلك.

ومما يدل على هذا ما أخرجه الإمام أحمد وغيره، أن النبي r قال لعائشة-رضي الله عنها-:

" ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك "

وكذلك قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ:

"لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله r إلا نساؤه"

كذلك تغسيل على بن أبي طالب لزوجته فاطمة بنت النبي r.          (والحديث رواه البيهقي والدارقطني)

وكذلك تغسيل أسماء بنت عميس لزوجها أبا بكر الصديق t.         (والحديث عند البيهقي وفي الموطأ)

ثامناً ـ  ومن الأخطاء أيضاً خروج المرأة من البيت لغير حاجة في فترة الإحداد:

فقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً } (البقرة:234)

أخرج الترمذي عن فُرَيْعَةَ بنت مالك بن سنانٍ – وهي أخت أبي سعيد الخدري:

"أنها جاءت رسول الله r تسأله أن ترجع إلى أهلها في بنى خُدْرَةَ، وأن زوجها خرج في طلب أَعْبُدٍ له أَبَقوا، حتى إذا كان بطرف القدوم لَحِقَهُم فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله r أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملكه ولا نفقة.

قالت: فقال رسول الله r: نعم، قالت: فانصرفت حتى إذا كنت بالحجرة أو في المسجد ناداني رسول الله r أو أمَرَ بي فنوديتُ له، فقال: كيف قلت ؟

قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرتُ له في شأن زوجي،

قال: امْكُثِي في بيتك حتى يبلغَ الكتابُ أَجَلَهُ، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما كان عثمان أرسل إليّ، فسألني عن ذلك فأخبرته فاتَّبَعَهُ وقضى به"

(صححه الألباني في صحيح الترمذي:1204، وصحيح ابن ماجة:2031، وضعفه البعض)

ملاحظة:

هناك من أهل العلم من قال:

تعتد المرأة في بيت زوجها، واستدلوا بحديث فُرَيْعَةَ السابق، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.

ومنهم من قال: تعتد في أي مكان شاءت، وإن لم تعتد في بيت زوجها.

 

تاسعاً ـ عدم إحداد الزوجة على الزوج المدة المطلوبة (أربعة أشهر وعشراً) وخروجها من بيتها أثناء فترة الإحداد، أو تتمادى المرأة في فترة الحداد أكثر من ثلاثة أيام على غير الزوج:

أخرج الإمام  مسلم عن زينب بنت أبي سلمة – رضي الله عنها – قالت:

"دخلت على أم حبيبة زوج النبي r حين تُوُفِّي أبوها أبو سفيان، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صُفرةُ خلوق أو غيره، فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها،

ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أنى سمعت رسول الله r يقول على المنبر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدُ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً".

ملاحظة:

بالنسبة للمرأة التي مات عنها زوجها إذا كانت حامل فعدتها أن تضع حملها، لقوله تعالى:

{ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } (الطلاق:4)

وأخرج البخاري من حديث المسور بن مخرمة t:

أن سُبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النبي r فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت"

وفي لفظ آخر قالت: "فأفتاني – أي النبي r ـ إذا وضعت أن أنكح"

وأخرج سعيد بن منصور في سننه، والبيهقي عن عمر بن الخطاب t قال:

"لو وضعت وزوجها على السرير لم يدفن بعدُ لحلت"

 

عاشراَ ـ  ومن الأخطاء التي تقع فيها المرأة التزين في فترة الحداد:

فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم عطية ـ رضي الله عنها ـ قالت:

"كنا ننهي أن نحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصْبٍ، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار".

ـ العصب: ثياب من اليمن فيها بياض وسواد.

وعند البخاري ومسلم عن أم حبيبة – رضي الله عنها –:

"أن امرأة توفي زوجها فخشوا على عينها، فأتوا رسول الله r فاستأذنوه في الكحل، فقال: لا تكتحل".

فيحرم على المرأة في هذه المدة:

الطيب بجميع أنواعه، لقول النبي r: "ولا تمس طيباً" إلا ما كان بعد الحيض.

الزينة في بدنها، فيحرم عليها الخضاب والاكتحال.

الزينة في الثياب.

لبس الحُلي بجميع أنواعه.

المبيت في غير منزلها الذي توفي فيه زوجها – على خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة.

تنبيه:

لا يمنع من تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه.

ماذا على المرأة زمن الحداد ؟

س: تسأل ابتسام بنت ناصر عن المرأة المتوفى زوجها وهي في العدة، هل لها أن ترد على الهاتف؟ مع أنها لا تعلم أَرَجُلٌ هو أم امرأة، وماذا يجب على المرأة في العدة ؟

فأجاب فضيلة الشيخ/ ابن جبرين – رحمه الله-:

على المرأة زمن الحداد تجنب الزينة من لباس الشهرة والجمال ومن الحلي والخضاب والكحل للتجمل...ونحو ذلك، ولا تخرج من بيتها إلا لضرورة، ولا تتطيب ولا تتعطر، ولا تبرز أمام الرجال الأجانب، ويجوز لها في دارها أن تمشي في داخل الدار وملحقاته، وتصعد أعلاه... ونحو ذلك،

وإذا احتاجت إلى مكالمة في الهاتف فلا بأس بذلك، فإذا عرفت أن المتكلم من أهل النساء، والذين يريدون التعرف على من يناسبهم (المعاكسات) فعليها قطع المكالمة فوراً، كما يلزم غيرها ذلك، ويجوز لها أن تكلم أقاربها من غير المحارم من وراء الحجاب، أو في الهاتف... ونحوه،  كما يجوز لها ذلك في غير زمن الحداد.                                         (فتاوى المرأة المسلمة صـ64ـ65)

 

وجاء سؤال موجه إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وفيه:

تُوُفِّي زوجها وتلزمها العدة، وهي طالبة في المدرسة، فهل يجوز لها مواصلة الدراسة أم لا؟

الإجابة: يجب على الزوجة المُتوفَّى عنها زوجها أن تعتد وتحدّ في بيتها الذي مات فيه زوجها وهي فيه، أربعة أشهر وعشراً وألا تبيت إلا فيه، وعليها أن تجتنب ما يحسنها ويدعو إلى النظر إليها من الطيب والاكتحال بالإثمد وملابس الزينة، وتزيين بدنها... ونحو ذلك مما يجملها، ويجوز لها أن تخرج نهاراً لحاجه تدعو إلى ذلك، وعلى هذا للطالبة المسئول عنها أن تذهب إلى المدرسة لحاجتها إلى تلقي الدروس، وفهم المسائل وتحصيلها، مع التزامها باجتناب ما يجب اجتنابه على المعتدة عدة الوفاة اجتنابه مما يغري بها الرجال ويدعو إلى خطبتها.                         (فتاوى المرأة صـ142)

 

 

 

 

 

 

 

س: ما هي الأمور التي يجوز لأهل الميت فعلها بعد الوفاة؟

1ـ يباح لهم كشف وجه الميت وتقبيله:

أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن عائشة – رضي الله عنها –:

"أن النبي r دخل على عثمان بن مظعون t وهو ميت فكشف وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى، حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه"

(والبعض ضعفه لأن فيه عاصم بن عبد الله العمري وهو ضعيف)

وأخرج البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله t قال:

"لما قتل أبي جعلت اكشف عن وجهه الثوب وأبكي ونهوني، والنبي r لا ينهاني، فأمر به النبي r فرفع، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي r: "تبكين أو لا تبكين مازالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه".

وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:

"أقبل أبو بكر t على فرسه من مسكنه بالسُّنْح حتى نزل فدخل علىَّ المسجد، وعمر يكلم الناس، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة – رضي الله عنها – فتيمَّم النبي r وهو مسجي ببردة حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبَّله بين عينيه ثم بكى، فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة الأولى التي عليك فقد مُتَّهَا".

وفي رواية: "لقد مت الموتة التي لا تموت بعدها"

ـ بالسُّنْح: بضم أوله أو فتحها، وهو موضع معروف في عوالي المدينة.

 

وفي سؤال وجه إلى اللجنة الدائمة وفيه:

س2: عند وفاة زوجي حضرت لتكفينه، وبعد أن غُسِّل وكُفِّن رفعت عنه الكفن لاستودع وجهه الطاهر، فقال لي بعض أقاربي: إنه لا يجوز لكِ أن تفتحي الكفن ونحن قد غسلناه وكفناه، حيث إنه ينقض وضوءه، فهل علىَّ إثم في ذلك ؟ وإذا كان الأمر كذلك فماذا أفعل الآن ؟ أفيدوني أثابكم الله.

ج2: لا شيء عليك في تقبيل وجه زوجك بعد تغسيله وتكفينه.                      (فتوى رقم: 9226)

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء)

 

 

2- ويباح لهم البكاء الذي ليس معه صوت:

فالبكاء رقة ورحمة في قلوب العباد، وهو جائز لا مؤاخذة فيه طالما لا يصاحبه مخالفة

أخرج البخاري ومسلم عن أنس t قال:

"دخلنا مع رسول الله r على أبي سيف القين ـ وكان ظِئراً لإبراهيم u فأخذ رسول الله r إبراهيم فقبله وشمَّه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله r تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله ؟ فقال: يا ابن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".

ـ القين: الحداد

ـ ظِئراً: المرضع وأطلق عليه ذلك لأنه كان زوج المرضعة.

وأخرج الحاكم وابن حبان في صحيحه:

"أنه لما مات ابن رسول الله r صاح أسامة بن زيد، فقال رسول الله r: ليس هذا مني، وليس بصائح حق، القلب يحزن والعين تدمع ولا نغضب الرب".

وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال:

"اشتكى سعد بن عبادة شكْواً له، فأتاه النبي r يَعُودُهُ مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود – رضي الله عنهم – فلما دخل عليه فوجده في غاشية، فقال: قد قضى ؟ قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي r فلما رأى القوم بكاءه بكوا، فقال: ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا

ـ وأشار إلى لسانه – أو يرحم، وإن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه".

وقد مر بنا أن المقصود بالبكاء هنا وفي غيره من الأحاديث: هو البكاء الذي لا يصاحبه نواح أو تعديد، أما مجرد البكاء على الميت فلا حرج فيه، وإنما يمنع التكلم باللسان بما فيه تسخط على قدر الله تعالى، والنياحة المحرمة، وقد نقل النووي الإجماع على أن البكاء الذي يعذب به الميت: هو البكاء بصوت ونياحة، لا بمجرد دمع العين،

فقال النووي في شرح مسلم (3 /229):

وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن البكاء هنا (أي في الحديث) البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين.أهـ

وأخرج البخاري عن أنس بن مالك t قال:

"شهدنا بنتاً لرسول الله r ورسول الله r جالس على القبر قال: فرأيت عينيه تدمعان".

وقد مر بنا بكاء النبي r على عثمان بن مظعون.

وأيضاً بكاء أبي بكر t على النبي r.

وبكاء جابر وعمته على عبد الله بن عمرو بن جزام والد جابر.

تنبيه:

لا يزيد هذا البكاء عن ثلاثة أيام.

وذلك لما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن جعفر – رضي الله عنهما –:

"أن النبي r أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم ثم أتاهم، فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم".

 

هذا وقد وجه سؤال إلى اللجنة الدائمة فتوى رقم (2177) وفيه:

س: هل يجوز البكاء على الميت إذا كان البكاء فيه نواح ولطم الخد وشق الثوب فهل البكاء يؤثر على الميت ؟

جـ: لا يجوز الندب، ولا النياحة، ولا شق الثياب، ولطم الخدود... وما أشبه ذلك

لما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن النبي r قال:

" ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية"،

وثبت عن رسول الله r أنه لعن النائحة والمستمعة (أي: التي تُقر بهذا أو تدعو إليه)

وصح عنه أيضاً r أنه قال: " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه "         (البخاري ومسلم)

والمراد بالبكاء هنا النياحة، أما البكاء بدمع العين من دون نياحة فلا حرج فيه

لقول النبي r لما مات ابنه إبراهيم: " العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون"                                     (البخاري ومسلم)

وقوله r:" إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه عليه الصلاة والسلام".                                (البخاري ومسلم)

وبالله التوفيق وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء)

 

تنبيه:

ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح(7 /756):

أنه لا بأس أيضاً بالتوجع للميت عند احتضاره

بمثل قول فاطمة في احتضار النبي r:

"واكرب أباه، فقال النبي r: ليس على أبيك كرب بعد اليوم "          (والحديث عند البخاري)

فعلم أن هذا ليس من النياحة؛ لأن النبي r سمع هذا ولم يمنعها، فكان منه r الإقرار على ذلك. والله أعلم.

 

3- ويباح لهم أيضاً أن ينعوه نعياً مشروعاً:

فالنعي المشروع: هو الإخبار عن وفاة الميت؛ لكي يجتمع الناس لتجهيزه، والصلاة عليه، والاستغفار له، ودفنه... ونحو ذلك، كما فعل النبي r عندما نعى النجاشي ونعى زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة لما قتلوا في غزوة مؤتة.

 

- أما النعي الممنوع: وقد مر بنا في المحظورات، ومما يحرم فعله على أهل الميت، وهو الذي يصاحبه شيء من أمور الجاهلية: كمدحه، ومدح أجداده، وذكر مناقبه، والنداء على رءوس المنائر، وعند أبواب الدور، والأسواق.

 

4- ويجوز ويباح لهم خلع أسنانه الذهب، وما  له  قيمة:

جاء في فتاوى اللجنة الدائمة

يجوز خلع أسنان الذهب ونحوها ممَّا له قيمة، مما ركبه الإنسان في حياته، بشرط أن لا يكون هناك إضراراً بالميت. وأما ما لا قيمة له، فيترك ويدفن معه.

 

جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، فتوى رقم(37840) وفيها:

س: تُوفِّي إنسان وبه سن ذهب، فهل تنزع منه أم لا؟

جـ : إذا أمكن خلعها منه دون تأثير على ما حولها نزعت، محافظة على المال، وإيثاراً لمنفعة الأحياء، وإلا تركت ولا حرج في تركها.

وبالله التوفيق وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء)

 

5- ويجوز شق بطن المرأة إذا ماتت وفي بطنها جنين حي:

فإذا ماتت المرأة وفي بطنها جنين فإن كانت ترجى حياته، فإنه يشق بطنها لإخراجه، فإن لم ترج حياته لم يشق، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والمعتمد عن الحنابلة، وبعض المالكية.

قال ابن حزم - رحمه الله – كما في المحلى (5 /242):

لو ماتت امرأة حامل، والولد حي يتحرك قد تجاوز ستة أشهر، فإنه يشق بطنها ويخرج الولد

لقوله تعالى: { وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } (المائدة:32)، ومن تركه عمداً حتى يموت فهو قاتل نفس.

وجاء في كتاب بدائع الصنائع:

حامل ماتت فاضطرب في بطنها ولد، فإن كان في أكبر الرأي أنه حيٌّ يشق بطنها؛ لأنا ابتلينا ببليتين فنختار أهونهما، وشق بطن الأم أهون من إهلاك الولد الحي. أهـ

أما إذا كان هذا الولد لا يعيش عادة، ولا يتحقق أنه يحيا فلا يجوز هتك حرمة متيقنة (شق بطن الأم) لأمر موهوم (حياة الولد).

فوائد وتنبيهات:

1ـ إذا كان الميت حال حياته قام بإعطاء أحد الأولاد مالاً، أو قام بمساعدة أحد الأبناء بالزواج أو الهبة... أو غير ذلك، فيجب بعد الوفـاة مباشرة التغاضي عن كل ذلك، ولا يطالب أحد ممن لم ينالهم الإعطـاء في حياته ـ المساواة أو المثلية ـ بالذي أخذ من الميت حين حياته؛ لأن أحكام الهبة ليس لها علاقة بأحكام المواريث.

2ـ هناك جملة من الاعتقادات الخاطئة:

الاعتقاد بأن الميت يشعر بمَن حوله

فيعرف من يغسله، ومن يحمله، ومن ينزله في قبره، وممن قال بهذا اعتمد على حديث ضعيف رواه الإمام  أحمد والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد أن النبي r قال :

" إن الميت ليعرف من يحمله، ومن يغسله، ومن يدليه في قبره "     (لكن الحديث لا يصح).

ـ اعتقاد البعض أن روح الميت تحوم حول المكان الذي مات فيه.

اعتقاد البعض أن الميت ينجس بموته. ولم يقل بهذا إلا الشيعة،

ويرد عليهم قول النبي r  في الصحيحين: "إن المؤمن لا ينجس".

اعتقاد البعض أنه بمجرد الموت انحلت عقدة النكاح

وعلى هذا يمنعون الزوج من رؤية زوجته، أو دفنها، وكذلك الحال مع الزوجة إذا مات الزوج

وهذا اعتقاد خاطئ، بل الزوج له أن يغسل زوجته إذا ماتت، وللزوجة أن تغسل زوجها إذا مات.

3ـ هناك جملة من الأفعال الخاطئة:

إخراج الحائض أو النفساء أو الجنب عند الاحتضار وبعد الوفاة، وكذلك أثناء الغسل.

وهذا خطأ إذ لا دليل على هذا، بل سيأتي في باب الغسل كلام أهل العلم:

أنه يجوز للحائض أو الجنب أن تغسل الميتة.

قراءة القرآن عند الميت وخصوصاً سورة "يس"

وهذا لم يثبت فيه شيء، كما أنه لا يثبت حديث صحيح في فضل سورة "يس"

القراءة عند رأس الميت بفاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمتها

وقد ورد بذلك حديث عند الطبراني في المعجم الكبير، ولكنه ضعيف جداً.

ترك ثياب الميت بدون غسل إلى اليوم الثالث، بزعم أن ذلك يرد عنه عذاب القبر،

وهذا الكلام باطل لا دليل عليه.

تقليم أظافر الميت بعد موته، وحلق عانته.

قيام البعض بختان الميت إنْ وجدوه غير مختونٍ، وهذا خطأ لأن الختان حكم تكليفي يسقط بالموت

وجاء في كتاب المجموع للنووي ـ رحمه الله ـ:

أنه لو مات شخص غير مختون،  فللعلماء فيه ثلاثة أقوال:-

الأول: أنه لا يختن؛ لأن ختانه كان تكليفاً وقد زال بالموت، وهذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور.

الثاني: يختن الكبير والصغير.

الثالث: يختن الكبير دون الصغير، وهما شاذان ضعيفان (أي القول الثاني والثالث). أهـ

وجاء في مغني المحتاج:

ومن مات بغير ختان لم يختن في الأصح.

فالراجح من كلام أهل العلم: هو عدم جواز ختان الميت، إذ الأصل في البدن الحرمة، ولا يجوز أن نقطع شيئاً من بدنه إلا بدليل، ولا دليل هنا.

 

4ـ هناك جملة من الأخطاء اللفظية يقع فيها البعض منها:-

قول البعض: "فلان ربنا افتكره"

وهذا خطأ جسيم؛ لأنه اتهام لله ووصفه بالنسيان، وهي صفة نقص، وصفات النقص لا تجوز في حق الله تعالى، وينبغي أن يتنبه الناس لخطورة هذه الكلمة، وهي كذلك تنافي قوله تعالى:

{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} (مريم:64)، وقوله تعالى: {فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} (طه:52)

 

وقد سئل فضيلة الشيخ/ ابن عثيمين- رحمه الله-كما في المناهي اللفظية صـ 149:

عن قول الإنسان إذا سئل عن شخص قد توفاه الله قريباً، فقال: "فلان ربنا افتكره"

يقصد بذلك: توفاه الله، فهل هذه الإجابة صحيحة؟

فأجاب الشيخ – رحمه الله -:

إذا كان مراده بذلك أن الله تذكر ثم أماته، فهذه كلمة كفر؛ لأنه يقتضى أن الله U ينسى، والله سبحانه وتعالى لا ينسي، كما قال موسي u لما سأله فرعون:

{قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى{51} قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} (طه:51ـ52)

فإذا كان هذا هو قصد المجيب، وكان يعلم ويدري معنى ما يقول، فهذا كفر.

 

أما إذا كان جاهلاً، ولا يدرى، ويريد بقوله: "إن الله افتكره" يعني: أخذه فقط، فهذا لا يكفر،

لكن يجب أن يُطهِّر لسانه عن هذا الكلام؛ لأنه كلام موهم لنقص رب العالمين U تعالى الله عن هذا علواً كبيراً، ويجيب بقوله: "توفَّاه الله"... أو نحو ذلك.

 

قول البعض: "فلان جاء عزرائيل وقبض روحه"

وهذا خطأ فكلمة "عزرائيل" لم ترد في السنة الصحيحة، والصحيح أن يقول: "ملك الموت"

 

قول البعض: "بدري من عمرك – ماكنش يومك – لسه صغير"

هذا الكلام فيه سوء أدب مع الله تعالى، فإنه لا تموت نفس حتى تستوفي أجلها، كما قال تعالى:

{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } (الأعراف:34)

وجاء في الحديث الذي أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وأبو نعيم في الحلية بسند صحيح من حديث أبي أمامة t أن النبي r قال:

" أن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته"

ويدل هذا الكلام أيضاً على الاعتراض على قضاء الله وقدره؛ لأنه لا يتصور أن يقول مثل هذا إلا من يتسخط على قضاء الله وقدره، أما الراضي فليس له إلا التسليم.

 

 

البعض يقول على الميت: "المُتَوفِّي" بكسر الفاء وهذا خطأ،

والصحيح أن يقال: "المُتَوَفَّى" بفتح الفاء؛ لأن المُتَوفِّي بالكسر: هو الله U، كما قال تعالى:

{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا } (الزمر:42)، وعليه فلا يجوز أن يقال: "المُتَوفِّي" ؛ لأن معناها هو الذي أنهى حياته وتوفاها، وهذا لا ينبغي إلا لله تعالى وحده.

وكذلك لا يجوز أن نقول: "تَوفَّى فلان" (بفتح التاء والفاء المشدودة)

فالله هو الذي تَوفَّى العبد أي آماته أو وفَّاه أجله.

والصحيح أن يُقَال: تُوُفِّيَ فلان( بضم التاء وكسر الفاء المشددة) وذلك لنفس المعنى السابق.

ملاحظة:

يقول البعض: إن كلمة "تُوُفِّيَ" هي مبني للمجهول " وهذا صحيح من الناحية اللغوية "

لكن من الناحية الشرعية نقول: هل الله مجهول حتى لا يعلم من الذي توفاه

فالأولى في مثل هذا  الموطن ألا تقال هذه الكلمة: " مبني للمجهول " عندما نقول تُوُفِّيَ، وهذا من حسن الأدب مع الله تعالى: ويستحب أن تستبدل كلمه مبني للمجهول في مثل هذا الموطن بكلمة:

" لِما لم يُسَمَّ فاعله "

 

قول البعض عن الميت: "المرحوم – المغفور له – ارتاح – ربنا كَرَمَهُ "

وهذا القول فيه إدعاء بعلم الغيب وافتئات على الله تعالى، وكل هذا لا يعلمه إلا الله، وعقيدة أهل السنة والجماعة ألا نجزم لأحد بجنَّة أو نار، إلا ما شهد له الشرع بذلك، كأصحاب بيعة الرضوان أو أصحاب بدر، أو العشرة المبشرون بالجنَّة، وغيرهم ممن شهد لهم الشرع بالجنة.

وعليه فلا يجوز أن تقول: "فلان المرحوم" بالجزم، أو "المغفور له"، ولا نغتر بظاهر عمل إنسان ما، وإنما نرجو للمحسن ونخشى على المسيء.

أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة t أن النبي r قال:

"لن يُدْخل أحداً عملُه الجنَّة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني  الله بفضل رحمته، فسددوا وقاربوا"

وفي رواية: "قاربوا وسددوا واعلموا أنه لن ينجو أحدٌ منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"

ومن هذا يعلم: أن الرحمة ودخول الجنَّة، أو العذاب ودخول النار، هو أمر بيد العزيز الغفَّار وحده

كما قال الله تعالى:

{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }  (المائدة:40)

وجاء في صحيح مسلم من حديث جندب tقال:

أن رسول الله r حدَّث أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى  قال: من ذا الذي يتألى علىّ أن لا أغفر لفلان، قد غفرت لفلان وأحبطت عملك".

فالصحيح والصواب: أن ندعو للميت بالمغفرة والرحمة فنقول: "يرحمه الله" أو "يغفر له الله"،

أو نقول: "رحمه الله" (بصيغة الدعاء والطلب لا بصيغة الماضي)، أو نسأل الله له الراحة أو أن يكرمه الله.

تنبيه:

لو كان مقصد القائل من كلمة: ارتاح،أي استراح من عناء الدنيا فهذا المعني الصحيح،

لقول النبيr: "مستريحٌ ومُسْتراحُ منه، قالوا: يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه ؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب "                                       (متفق عليه)

لكن ينبغي أن لا نقول هذا أيضاً بصيغة الجزم، فنقول: "فلان ارتاح"؛ لأننا لا نعرف من المستريح ومن المستراح منه؛ لأن هذا أمر غيبي.

هل يقال عن الميت: "المرحوم" ؟

السؤال الثاني في الفتوى رقم(4335)؟

س: الدعاء للميت أفضل أم قراءة القرآن؟ وهل يقال عن الميت: "المرحوم؟" وهل يوضع على القبر سرج وغير ذلك ؟

جـ:

أولاً: يشرع الدعاء والاستغفار للميت المسلم لما ورد في ذلك من أدلة.

ثانياً: قراءة القرآن بنية أن يكون ثوابها للميت لا تشرع. لعدم وجود دليل عل ذلك.

ثالثاً: لا يجوز أن يوضع على القبر سرج ولا نحو ذلك من أنواع الإضاءة، لما روي عن النبي r من لعنه زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج.

رابعاً: المشروع أن يقال في الميت المسلم: "رحمه الله" لا "المرحوم"

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء) 

السؤال الثاني من الفتوى رقم(6360):

س: هل يجوز أن يقال للإنسان الميت : "المرحوم فلان" مثلاً، أو "والدي المرحوم" ؟

جـ: لا يجوز قول: "المرحوم" للميت، وإنما يقال: "رحمه الله"

لأن الجملة الأولى إخبار من القائل، وهو لا يعلم الحقيقة، بل الله سبحانه الذي يعلمها.

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء)

 

وللحديث بقية ـ إن شاء الله تعالى ـ مع " الْغُسْلُ بَيْنَ المَشْرُوعِ وَالمَمْنُوعِ"

 

وبعد...،

فهذا آخر ما تيسر جمعه في هذه الرسالة

نسأل الله أن يكتب لها القبول، وأن يتقبلها منا بقبول حسن، كما أسأله سبحانه أن ينفع بها مؤلفها وقارئها ومن أعان على إخراجها ونشرها......إنه ولي ذلك والقادر عليه.

هذا وما كان فيها من صواب فمن الله وحده، وما كان من سهو أو خطأ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وهذا بشأن أي عمل بشري يعتريه الخطأ والصواب، فإن كان صواباً فادع لي بالقبول والتوفيق، وإن كان ثمّ خطأ فاستغفر لي

وإن وجدت العيب فسد الخللا

جلّ من لا عيب فيه وعلا

فاللهم اجعل عملي كله صالحاً ولوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه نصيب

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم.........

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك


الجزء الثاني 2.

4ـ الْكَفَنُ بين المَشْرُوعِ وَالمَمْنُوعِ

(سـؤال وجــواب)

M

إن الحمد لله تعالى نحمده   ونستعينه  ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا ِِإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.....

 

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }         (سورة آل عمران: 102)

 

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}     (سورة النساء: 1)

 

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }          (سورة الأحزاب:70،71)

 

 

أما بعد....،

فإن أصدق الحديث كتاب الله – تعالى- وخير الهدي هدي محمد r وشر الأمور محدثاتها، وكل

محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

س: ما هو الكفن؟

الكفن: هو الثوب أو الأثواب التي يلف بها الميت بعد غسله ويدفن بها في قبره.

س: ما حكم الكفن؟

حكم الكفن: أنه واجب، فقد أجمع أهل العلم على أن تكفين الميت بما يستره فرض كفاية،

وقد دلت النصوص على ذلك:-

أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ:

"أن رجلاً وَقَصَهُ بعيرُهُ ونحن مع النبي r وهو مُحْرِمٌ فقال النبي r: اغسلوه بماءٍ وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيباً، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً"

قال الشيرازي – رحمه الله – كما في المهذب مع المجموع (5/188):

تكفين الميت فرض على الكفاية

لقول النبي في الحديث السابق: "كفنوه في ثوبين" ـ وفي رواية: "في ثوبيه".

وقال النووي – رحمه الله – في شرح هذا الحديث:

وفي الفصل مسائل: إحداها: تكفين الميت فرض كفاية بالنص والإجماع، وألا يشترط وقوعه من مكلف حتى ولو كفنه صبي أو مجنون حصل التكفين لوجود المقصود.

وقال ابن حزم ـ رحمه الله ـ في المحلى (5/121):

وكل ما ذكرنا أنه فرض على الكفاية، فمن قام به سقط عن سائر الناس، كغسل الميت وتكفينه ودفنه والصلاة عليه، وهذا لا خلاف فيه.

وجاء في كتاب "بدائع الصنائع":

والإجماع منعقد على وجوبه، ولهذا توارثه الناس من لدن وفاة آدم u إلى يومنا هذا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

س: ما الذي يستحب في الكفن؟

يستحب في الكفن عدة أمور منها:-

1 – أن يكون الكفن من مال الميت وإن لم يترك غيره:

ذهب أكثر أهل العلم إلى: أن قيمة الكفن وتكاليف الدفن وغيرها من رأس مال الميت.

واستدل بعضهم بالحديث الذي أخرجه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف t:

"أنه أتى يوماً بطعامه فقال: قتل مصعب بن عمير – وكان خيراً مني – فلم يوجد له ما تكفن فيه إلا بُردة، وقُتل حمزة – أو رجل أخر – خير مني - فلم يوجد له ما تكفن فيه إلا بُردة، لقد خشيت أن يكون قد عجلت لنا طيباتُنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل يبكي".

ووجه الاستدلال: أنه لم يكن يملك كلٌ منهما (مصعب أو حمزة) إلا تلك البردة – وهى رأس ماله – فكفن فيها.

ملاحظات:

أ. قال أكثر أهل العلم:

يقدم شراء كفن الميت وما يقوم بتجهيزه على قضاء الديون... ونحوها: كالوصية،

لأن النبي r قال في الرجل الذي وقصه بعيره: "وكفنوه في ثوبين"

ولم يستفصل هل عليه دَيْن أم لا؟ فدل على تقديم الكفن على الدين، فليس لغرمائه ولا لورثته منع ذلك

(الأم:1/236 للشافعي ـ رحمه الله ـ)

وقيل: بل يقدم الدَّين، وهو قول ابن حزم – رحمه الله -؛ لأن الله تعالي لم يجعل ميراثاً ولا وصية إلا فيما يخلفه المرء بعد دينه فصح أن الدَّين مُقدَّم، أما الاستدلال بحديث: "أن رجلاً وَقَصَهُ بعيرُهُ"

فيرد عليه أن النبي r كان قد تكفل بديون من مات من المسلمين، لقول النبي r:

"أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاءه، ومن ترك مالاً فلورثته".                                                           (البخاري)

والقول الأول أظهر.

 

ب. فإن لم يكن للميت مال لتجهيزه، فإنه يجب على من تلزمه نفقته كالأبوين أو الأبناء.

 

جـ. فإن لم يوجد فيكون الكفن من بيت المال، فإن لم يوجد فعلى من علم حاله من المسلمين لأنه فرض كفاية.

د. بالنسبة لكفن المرأة فإنه يلزم زوجها بتكاليف كفنها وسائر مؤن تجهيزها، وهذا من باب العشرة بالمعروف، والمكافأة بالجميل.

وقيل: بل يخصم من رأس مالها إن تركت مالاً ولا يلزم زوجها، لأن أموال المسلمين محظورة إلا بنص قرآن أو سنة، ففي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم أن النبي r قال:

"إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام".

وإنما أوجب تعالي على الزوج النفقة والكسوة والإسكان، ولا يسمي في اللغة التي خاطبنا الله تعالي بها الكفن كسوة، ولا القبر إسكاناً. وهذا هو الأظهر. والله أعلم.

قال النووي ـ رحمه الله ـ:

ويجب الكفن من ماله (أي مال الميت)، فإن لم يكن له مال فعلى من عليه نفقته، فإن لم يكن فمن بيت المال، فإن لم يكن وجب على المسلمين، يوزعه الإمام على أهل اليسار، وعلى ما يراه. أهـ

 

2 – أن يكون الكفن طائلاً سابغاً يستر جميع بدن الميت:

فقد أخرج الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ:

"أن النبي r خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قُبض فَكُفِّنَ في كفنٍ غير طائلٍ، وقُبِر ليلاً فزجر النبي r أن يقبر الرجل بالليل حتى يُصَلَّى عليه إلا أن يضطر إنسان إلي ذلك، وقال النبي r: إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه".

قال النووي – رحمه الله – كما في شرح مسلم (2/607):

قوله:"غير طائل" أي صغير غير كامل الستر

وقال– رحمه الله –: وفي الحديث الأمر بإحسان الكفن

قال العلماء: وليس المراد بإحسانه السرف فيه والمغالاة ونفاسته، وإنما المراد نظافته ونقاؤه وكثافته وستره وتوسطه، وكونه من جنس لباسه في الحياة غالباً لا أفخر منه ولا أحقر.

 

 

 

 

ملاحظات:

أ. فإن ضاق الكفن ولم يتيسر السابغ سُتِر به الرأس، ويجعل الإذخر أو غيره من الحشيش عند القدم.

فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث خباب بن الأرت قال:

"هاجرنا مع رسول الله r في سبيل الله نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عُمير قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء وفي رواية: ولم يترك إلا نمرة* فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله r: ضعوها مما يلي رأسه

ـ وفي رواية: غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه الإذخر* ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدُبُها"

ـ نمرة: هي شملة فيها خطوط بيض وسود، أو بردة من صوف يلبسها الأعراب. (كذا في القاموس)

ـ الإذخر: حشيش معروف طيب الرائحة.

ـ يَهْدُبُها: يجتنيها.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (3/142): ويستفاد من الحديث السابق:

أنه إذا لم يوجد ساتر البتة أنه يغطي جميعه بالإذخر، فإن لم يوجد فبما تيسر من نبات الأرض.

وقال الشوكاني – رحمه الله – في نيل الأوطار (4/34):

وفي الحديث دليل على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره، جعل مما يلي الرأس وجعل النقص مما يلي الرجلين.

 

ب. لا يغطي رأس المحرم، لقول النبي  rفي الذي وقصته ناقته وهو محرم:

" لا تخمروا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً".

 

 

 

 

 

 

 

3 – أن يكون الكفن من البياض:

أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ:

"أن رسول الله r كُفِّنَ في ثلاثة أثواب يمانية بيض".

قال النووي – رحمه الله – في شرح مسلم (2/604):

في الحديث دليل لاستحباب  التكفين في الأبيض، وهو مجمع عليه.

وأخرج أبو داود والترمذي من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي r قال:

"البسوا من ثيابكم البياض فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وخير أكحالكم الإثمد يجلوا البصر ويُنْبِت الشعر".

قال الشافعي ـ رحمه الله ـ في الأم (1/235):

ويكفن الميت في ثلاثة أثواب بيض.

وقال أحمد وإسحاق – رحمهما الله –:

أحب الثياب إلينا أن يكفن فيها البياض، ويستحب حسن الكفن.

وقال ابن حزم ـ رحمه الله ـ كما في المحلى (5/117):

وأفضل الكفن للمسلم: ثلاثة أثواب بيض للرجل.

ملحوظة:

لو كُفِّنَ في غير الأبيض جاز – ويكره المصبغات ونحوها من لباس الزينة.

 

4 – أن يكون الكفن مبخراً (تجميرُ الكفن):

فقد أخرج الإمام أحمد من حديث جابر t أن النبي r قال:

"إذا جمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً".

وعند الحاكم بلفظ: "إذا أجمرتم الميت فأوتروا"

وأوصي أبو سعيد وابن عمر وابن عباس أن تُجَمَّر أكفانهم بالعود.

وأخرج الإمام مالك في الموطأ (1/226) عن أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنها – قالت لأهلها:

"أجمروا ثيابي إذا مت، ثم حنطوني ولا تذروا على كفني حناطاً، لا تتبعوني بنار".

وفي مصنف ابن أبى شيبة عن إبراهيم النخعي قال: " تُجَمَّر ثيابه ثلاثاً"

ـ وفي رواية: "وتراً" ونحوه عن الشعبي.

وذكر ابن قدامة – رحمه الله – كما في المغني (2/464) شرح مسألة: وينشفه بثوب ويجمر أكفانه" جملة من الآثار في تجمير الميت ثم قال:

ولأن هذه عادة الحي عند غسله وتجديد ثيابه أن يجمر بالطيب والعود فكذلك الميت.

 

صفة التجمير (التبخير):

قال النووي في المجموع (5/197):

يستحب تبخير الكفن إلا في حق المحرم والمحرمة، قال أصحابنا: صفة ذلك أن يجعل الكفن على عود وغيره (كأن يمسك بين اثنين) ثم يبخر كما يبخر ثوب الحي حتى تعنق بها رائحة الطيب،

قال أصحابنا: ويستحب أن يكون الطيب عوداً، وكون العود غير مطيب بالمسك، فإن كان مطيباً به جاز، ويستحب تطيبه ثلاثاً للحديث. أهـ

ملحوظة:

إذا عُدِم البخور جاز أن يوضع الحنوط فيما بين الأكفان، والحنوط: أنواع من الأزهار العطرية تُدَقُ، قال الخرقي ـ رحمه الله ـ كما نقل ذلك عن ابن قدامة في المغنى (2/464):

ويكفن في ثلاثة أثواب بيض يدرج فيها إدراجاً، ويجعل الحنوط فيما بينها، فإن لم يوجد هذا ولا ذاك يؤتي بالكفن ويفتح طبقة طبقة ثم يرش ماء الورد رشاً خفيفاً.

 

5 – عدم المغالاة في الكفن:

نهانا الشرع الحكيم عن إضاعة المال أو الإسراف والتبذير.

فقد أخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة t قال: قال رسول الله r:

"إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال"

والمغالاة في الكفن فيه إسراف وإضاعة للمال.

وأخرج أبو داود في سننه بسند فيه ضعف عن على بن أبي طالب t قال:

"لا تُغَالِ لي في كفن، فإني سمعت رسول الله r يقول: لا تغالوا في الكفن فإنه يسلبه سلباً سريعاً".                                                                       (ضعيف الجامع: 6261)

قال العلامة أبو الطيب في الروضة الندية:

وليس تكثير الأكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود، فإنه لولا ورود الشرع به لكان من إضاعة المال؛ لأنه لا ينتفع به الميت، ولا يعود نفعه على الحي، ورحم الله أبا بكر الصديق t عندما طلب أن يكفن في ثوبه. فقيل له: هذا خَلِق (أي قديم)، فقال: إن الحي أحق بالجديد.

6 – يستحب في الكفن أن يكون ثلاثة أثواب (بالنسبة للرجال):

وذلك للحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ:

"أن رسول الله r كُفِّنَ في ثلاثة أثواب([1]) يمانية بيض سَحُولِيَّة([2]) من كُرسُفٍ([3]) ليس فيهن قميص ولا عمامة".

قـال ابن قدامة – رحمه الله – كمـا في المغنى (2/464) تعليقاً على كـلام الخرقى

ـ رحمه الله ـ حين قال:

"ويُكَفَّن في ثلاثة أثواب بيض يدرج فيها إدراجاً ويجعل الحنوط فيما بينها".

فقال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ:

الأفضل أن يُكَفَّن الرجل في ثلاث لفائف بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، ولا يزيد عليها ولا ينقص منها،  قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي r وغيرهم، وهو مذهب الشافعي.

فوائد وتنبيهات:

أ. الثوب الذي غسل فيه الرسول r نزع منه عند تكفينه:

قال النووي ـ رحمه الله ـ في الحديث السابق:

وفي الحديث أن السنة في الكفن ثلاثة أثواب للرجل، وهو مذهبنا ومذهب الجماهير، والواجب هو ثوب واحد، والمستحب في المرأة خمسة أثواب.

وفي هذا الحديث: أن القميص الذي غُسِّل فيه النبي r نزع عنه عند تكفينه، وهذا هو الصواب الذي لا يتجه غيره؛ لأنه لو بقي مع رطوبته لأفسد الأكفان. أهـ

ويؤيد هذا ما رواه الإمام مسلم عن أبي موسي الأشعري t أنه قال:

"أخرجت لنا عائشة – رضي الله عنها – كساء ملبداً وإزاراً غليظاً، فقالت: قُبِضَ رسول الله r في هذين".

وهذا دليل على أنهما نزعا من النبي عند تكفينه، ولم يكفن في قميصه أو إزاره.

 

ب . وأيضاً لم يكفن في الحلة التي غطي بها عند تغسيله :

وذلك لما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:

"غطي رسول الله r في حلة يمانية كانت لعبد الله بن أبي بكر، ثم نزعت منه، فكُفِّنَ في ثلاثة أثواب سَحُولِيَّة يمانية ليس فيها عمامة ولا قميص، فنزع عبد الله الحلة وقال: أكُفِّنَ فيها، ثم قال: لم يكفن رسول الله r فأكفن فيها فتصدق بها".

ولعل هذا دليل من قال تنزع السترة عند التكفين.

وفي رواية أخري عن مسلم أيضاً عن عائشة – رضي الله عنها – قالت:

" كُفِّنَ رسول الله r في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيَّة من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة أما الحُلَّة* فإنما شُبِّه على الناس* فيها أنها اشتريت له ليكفن فيها، فَتُرِكَت الحُلَّة وكُفِّنَ في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيَّة، فأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال: لأحبسنها حتى أُكَفِّنُ فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله U لنبيه لكفَّنَهُ فيها، فباعها وتصدق بثمنها".

ـ الحلة: هي برود اليمن، ولا تسمي حلة إلا أن تكون ثوبين إزار ورداء من جنس واحد

ـ شبه على الناس: أي اشتبه الأمر على الناس: هل كُفِّنَ فيها رسول الله r أم لا؟

وقال النووي ـ رحمه الله ـ (شرح مسلم 2/605):

وقول عائشة: "ليس فيها قميص ولا عمامة" معناه: لم يكفن في قميص ولا عمامة، وإنما كُفِّنَ في ثلاثة أثواب غيرهما، ولم يكن مع الثلاثة شيء آخر، وهكذا فسره الشافعي وجمهور العلماء

وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث.

قالوا: ويستحب ألا يكون في الكفن قميص ولا عمامة.

وقال مالك وأبو حنيفة:

يستحب قميص وعمامة، وتأولوا الحديث على أن معناه: ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة

وإنما زائدان عليهما، وهذا ضعيف فلم يثبت أنه r كُفِّنَ في قميص وعمامة. أهـ

ومما سبق يتبين لنا أنه يستحب في الكفن الأتي:-

1 – استحباب الكفن في الثياب البيض.

2 – استحباب كون كفن الرجل ثلاثة أثواب.

3 – استحباب كون هذه الثياب من القطن أو غيره.

4 – استحباب ألا يكون فيها قميص ولا عمامة.

جـ. يجوز الكفن في القميص:

وذلك لما أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال:

"أن عبد الله بن أُبي لما تُوفِّي جاء ابنه إلى النبي r فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أُكَفِّنُهُ فيه، وصلي عليه، واستغفر له، فأعطاه النبي r قميصه، فقال: آذني أصلي عليه فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عُمر t فقال: أليس الله قد نهاك أن تُصَلِّي على المنافقين؟ فقال: أنا بين خيرتين قال تعالي: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ }(التوبة:80). فصلى عليه، فنزلت ولا تُصَلِ على أحد منهم مات أبداً".

ففي هذا الحديث دليل على جواز التكفين في القميص، وإن كان الأولى تركه؛ لأن النبي r لم يكفن في قميص، وقد أعطى قميصه عبد الله بن أُبي بناء على طلب ابنه من رسول الله r.

قال الصنعاني في سبل السلام (2/545):

وفي الحديث دليل على شرعية التكفين في القميص.

قال الشافعي – رحمه الله – في الأم (1/236):

وإن كُفِّنَ في قميص جعل القميص دون الثياب، والثياب فوقه.

لكن ترك التكفين في القميص أولي؛ لأن النبي ما كُفِّنَ في قميص ولا عمامة، وما اختاره الله لنبيه فهو الأفضل والأولى.

تنبيه:

الحديث الذي أخرجه أبو داود عن ابن عباس – رضي الله عنهما –  أنه قال:

"كُفِّنَ رسول الله r في ثلاثة أثواب نجرانية: الحلة ثوبان، وقميصه الذي مات فيه".

(حديث ضعيف، فيه يزيد بن أبي زياد، وهو مجمع على ضعفه)

 

 

 

 

 

 

 

د . إن كان محرماً يكفن في ثوبين:

فمن السنة تكفين الميت في ثلاثة أثواب، أما بالنسبة للمحرم فإنه يكفن في ثوبين.

وذلك للحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "بينما رجلٌ واقفٌ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصتهُ ـ أو قال: فأقعصتهُ ـ الناقة فقال النبي r: "اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنُوه في ثوبين ـ وفي رواية: في ثوبيه ـ ولا تحَنِّطُوه ـ وفي رواية: ولا تطيبوه ـ ولا تُخَمِّرُوا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً".

وفي الحديث أنه لا يشترط الوتر في الكفن.

وقد بوب البخاري – رحمه الله – لهذا الحديث بـ(باب الكفن في ثوبين) قال الحافظ في الفتح (3/135): كأنه أشار إلي الثلاث في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ ليست شرطاً في الصحة، وإنما هو مستحب وهو قول الجمهور.

 

هـ. يجوز التكفين في الثوب الواحد:

فقد أخرج الإمام أحمد عن الزبير بن العوام t قال:

"لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى، قال: فكره النبي r أن تراهم فقال: المرأة المرأة قال(الزبير): فتوسمت أنها أمي صفية، فخرجت أسعى إليها فأدركتها قبل أن تنتهي إلي القتلى، قال: فَلَدَمت في صدري وكانت امرأةٌ جلدَة قالت: إليك عني لا أرض لك، فقلت: إن رسول الله r عزم عليك، فوقفت وأخرجت ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، قد بلغني مقتله فكفنه فيهما: قال فجئنا بالثوبين لنُكَفِّن فيهما حمزة، فإذا إلي جنبه رجل من الأنصار قتيل، قد فعل به كما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين، والأنصاري لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فقررناهما فكان أحدهما أكبر من الأخر، فأقرعنا بينهما، فكَفَّنَا كل واحد منهما في الثوب الذي صار له".

ـ فَلَدَمت: أي ضربت ودفعت.

 

 

وأيضاً مما يدل على جواز التكفين في الثوب الواحد

ما أخرجه النسائي عن شداد بن الهاد:

"أن رجلاً من الأعراب جاء إلي النبي r فآمن به واتَّبَعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي r بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم النبي r فيها شيئاً فقسم، وقسم له فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم لك النبي r، فأخذه فجاء به إلي النبي r فقال: ما هذا؟ قال النبي r: قسمته لك، قال الرجل: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أُرمى إلى هاهنا وأشار إلي حلقه – بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي r يحمل، قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي r: أهو هو؟ قالوا: نعم قال: صدق الله فصدقه، ثم كفَّنَهُ النبي في جبة له، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته "اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً أنا شهيدٌ على ذلك"

 

فإذا قلَّت الأكفان وكثرت الموتى، جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد:

فقد أخرج أبو داود والترمذي من حديث أنس t قال:

"لما كان يوم أُحُد مَرَّ رسول الله r بحمزة بن عبد المطلب، وقد جُدع ومُثِّل به، فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية – وهي السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها – حتى يحشره الله في بطون الطير والسباع، فكُفِّن في نمرة وكانت إذا خمرت رأسه بدت رجلاه، وإذا خمرت رجلاه بدا رأسه، ولم يصلِ على أحد من الشهداء غيره، وقال: أنا شاهد عليكم اليوم، قال: وكثرت القتلى وقلت الثياب، قال: وكان يجمع الثلاثة والاثنين في قبر واحد ويسأل: أيهم أكثر قرآناً فيقدم في اللحد؟ وكَفَّنَ الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد".

فقال ابن تيمية – رحمه الله –:

معني الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة فيكفن كل واحد ببعضه للضرورة وإن لم يستر الثوب إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآناً؟ فيقدمه في اللحد، فلو أنهم في ثوب واحد جملةً لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كي لا يؤدي إلي نقض التكفين وإعادته

قال الشيرازي – رحمه الله – (المهذب مع المجموع):

وأقل ما يجزئ ما يستر العورة كالحي، ومن أصحابنا من قال: أقله ثوب يعم البدن؛ لأن ما دونه لا يسمى كفناً. والأول أصح.

ملحوظة:

وإذا قلت الأكفان وضاقت عن ذلك سترت العورة:

قال النووي – رحمه الله – (شرح مسلم 2/603) في شرحه لحديث: قصة تكفين مصعب بن عمير في قول النبي r:

"ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر " (وهو بكسر الهمزة والخاء)

وهو حشيش معروف طيب الرائحة، وفيه دليل على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره جعل مما يلي الرأس، وجعل النقص مما يلي الرجلين ويستر الرأس، فإن ضاق عن ذلك سترت العورة فإن فضل شيء جعل فوقها، فإن ضاق عن العورة سترت السوأتان؛ لأنهما أهم وهما الأصل في العورة.

 

فإن لم يوجد ما يكفن به يغطى بالإذخر أو بأي نبات:

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – كما في فتح الباري (3/142):

ويستفاد من الحديث: (حديث مقتل مصعب بن عمير وتكفينه): أنه لم يوجد ساتر البتة أنه يغطي جميعه بالإذخر، فإن لم يوجد فبما تيسر من نبات الأرض. كما مر بنا.

 

7 – يستحب أن يكون في هذه الأثواب الثلاثة ثوب حبرة إذا تيسر:

وذلك لما أخرجه أبو داود بسند صحيح عن جابر t عن النبي r قال:

"إذا توفي أحدكم فوجد شيئاً فليكفن في ثوب حِبَرة".                     (صحيح الجامع:455)

ـ والحبرة: ما كان مخططاً من البرود اليمانية، وهذه الخطوط تكون من جنس الثوب نفسه.

 

ويمكن الجمع بين هذا الحديث وبين ما كفن فيه النبي r بما يأتي:

أ. أن تكون الثوب الحبرة مخططة، ويكون الغالب عليها البياض فيشملها الحديث.

 

ب. أما إذا كانت أكثر من ثوب، يجعل كفن واحد حبرة وما بقي أبيض.

 

 

 

 

س: ما صفة كفن المرأة؟

ذهب الجمهور إلي أن المرأة تكفن في خمسة أثواب، وقد ورد في ذلك حديثين:-

الحديث الأول:

حديث أخرجه الإمـام أحمد وأبو داود عن ليلي بنت قـائف الـثقفية- رضي الله عنها- قالت: "كنت فيمن غَسَّل أم كلثوم بنت رسول الله r عند وفاتها، وكان أول ما أعطانا رسول الله r الحقَا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر قالت: ورسول الله r عند الباب معه كفنُها يناولنا ثوباً ثوباً".       (لكن هذا الحديث ضعيف)

ـ الحِقا: بكسر المهملة وتخفيف القاف: وهو ما يوضع في الحقو، وهو الإزار، فالحِقوةُ: هي معقد الإزار من الإنسان.

 

الحديث الثاني:

حديث ذكره الحافظ في الفتح (3/133) وعزاه إلي الجوزقي عن أم عطية – في صفة تكفين بنت النبي r ـ فقالت:

"فكفناها في خمسة أثواب وخمرناها كما يخمر الحي".

وقال الحافظ بعد ذكر هذا الحديث: وهذه الزيادة صحيحة الإسناد.

قال البخاري – رحمه الله – كما في كتاب الجنائز – باب كيف الإشعار للميت قال الحسن:

"الخرقة الخامسة يشد بها الفخذان ولو كان تحت الدرع وبه قال زفر".

هذا وقد رأي بعض أهل العلم: أن الخرقة الخامسة تكون على بطنها، وتعصب بها فَخِذَيْهَا

وقالت طائفة: تشد على صدرها لتضم أكفانها، ولا يكره القميص للمرأة على الراجح عند الشافعية والحنابلة.                                                                                                    (فتح الباري:3/133)

وقال الشوكاني – رحمه الله – كما في نيل الأوطار (4/28) تعليقاً على الحديث:

والمشروع في كفن المرأة أن يكون إزاراً ودرعاً وخماراً وملحفة ودرجاً.

وعلى هذا يكون كفن المرأة:

إزار: ويكون من أسفل البدن.

الدرع: وهو القميص من الرقبة حتى القدمين.

ثم الخمار: يغطي به الرأس.

ثم اللفافتان: تدرج فيهما الميتة ويوضع بينهما الحنوط.

لكن هناك من أهل العلم من قال:

لا فرق بين كفن المرأة وكفن الرجل، فتكفن المرأة في ثلاثة، لكن يرد عليهم ما سبق.

بالإضافة إلي جملة من الآثار، وأقوال لأهل العلم تدل على أن المرأة تكفن في خمسة أثواب، وهي:-

 

الآثــار:

1 – أخرج عبد الرازق في مصنفه بسند صحيح عن إبراهيم النخعي قال:

"تكفن المرأة في خمسة أثواب: درع وخمار ولفاف ومنطق ورداء".

 

2 – وعند عبد الرازق كذلك بسند صحيح عن ابن سيرين – رحمه الله – قال:

"تكفن المرأة في خمسة أثواب درع (قميص) وخمار وخرقة ولفافتين".

 

3 – وأيضاً عند عبد الرازق بسند صحيح عن عيسي بن أبي عزة قال:

"شهدت عامرأ الشعبي كفن ابنته في خمسة أثواب، وقال: الرجل يكفن في ثلاث".

 

4 – وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن – رحمه الله – قال:

"تكفن المرأة في خمسة أثواب: درع وخمار وحقو ولفافتين".

 

5 – وعند البخاري معلقاً عن الحسن أنه قال:

"الخرقة الخامسة يشد بها الفخذين والوركين تحت الدرع".

وقد رأي بعض أهل العلم: أن الخرقة الخامسة تكون على بطنها وتعصب بها فخذيها.

وقالت طائفة: تشد على صدرها لتضم أكفانها، ولا يكره القميص للمرأة على الراجح عند الشافعية والحنابلة.    (وقد مر هذا الكلام)                                             (الفتح: 3/133).

 

 

 

 

 

أقوال أهل العلم:

1 – قال الشيرازي – رحمه الله – كما في المهذب (5/205):

وأما المرأة فإنها تكفن في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وثلاثة أثواب، وهل يكون أحد الثلاثة درعاً؟ فيه قولان:

أحدهما: أن إحداها درع لما روي أن النبي r ناول أم عطية – رضي الله عنها – في كفن ابنته

أم كلثوم إزاراً ودرعاً، وخماراً، وثوبين ملاءاً.        (لكن مر بنا أن الحديث ضعيف)

القول الثاني: أنه لا يكون فيها درع؛ لأن القميص إنما تحتاج إليه المرأة لتستتر به في تصرفها، والميت لا يتصرف. فإن قلنا: لا درع فيها، أزرت بإزار، وخمرت بخمار، وتدرج في ثلاثة أثواب.

وإذا قلنا: فيها درع، أزرت بإزار، وتلبس الدرع، وتخمر بخمار، وتدرج في ثوبين.

 

2 – وقال النووي – رحمه الله – في شرح مسلم (2/604) باب تكفين الميت:

المستحب في المرأة خمسة أثواب، وأما الزيادة على خمسة فإسراف في حق الرجل والمرأة.

 

3 – قال ابن قدامة – رحمه الله – في المغني (2/470) في شرح مسألة "والمرأة تكفن في خمسة أثواب":

قميص ومئزر ولفافة ومقنعة وخامسة تشد بها فخذاها. قال: قال ابن المنذر – رحمه الله –:

أكثر من نحفظ عند أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب، وإنما استحب ذلك؛ لأن المرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر؛ لزيادة عورتها على عورته فكذلك عند الموت.

 

4 – وقال ابن حزم – في المحلي (5/117):

وأفضل الكفن للمسلم: ثلاثة أثواب بيض للرجل يلف فيها، لا يكون فيها قميص ولا عمامة ولا سراويل ولا قطن، والمرأة كذلك وثوبان زائدان.

 

 

 

 

 

 

 

س: ما صفة كفن الجارية أو الصبية التي لم تبلغ؟

ليس هناك حديث مرفوع يدل على عدد لفائف كفن الصبية، إلا أن هناك بعض الآثار، ولكن اُخْتُلف فيها في العدد.

1 – أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن الحسن أنه قال في الجارية التي لم تبلغ:

"تكفن في ثوب واحد".

2 – أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن البصري أنه سئل:

"عن الجارية إذا ماتت هل تخمر ولم تحصن؟ قال: لا. ولكن تكفن في ثلاثة أثواب".

3 – ونقل ابن قدامة في المغني (2/272) عن المروزي أنه قال:

سألت أبا عبد الله في كم تكفن الجارية إذا لم تبلغ؟ قال: في لفافتين لا خمار فيه، وكفن ابن سيرين بنتاً له قد أعصرت في قميص ولفافتين وروي في بقير ولفافتين.

ـ أعصرت: قاربت المحيض.

ـ البقير: هو القميص الذي ليس له كمان.

تنبيهان:

من قال لا يوضع الخمار في كفن الجارية استدل بحديث النبي r:

"لا يقبل الله صلاة الحائض إلا بخمار" ومفهومه أن غيرها لا تحتاج إلى خمار في صلاتها، فكذلك في كفنها؛ ولأن ابن سيرين كفَّن ابنته بغير خمار وقد أعصرت أي: قاربت المحيض، كما مر بنا.

 

2ـ إذا كـانت البنت تسع سنين، يُصنعُ بها كما يُصنع بالمرأة، وهذا مروي عن الإمـام أحمد،

واحتج بحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: " أن النبي r دخل بها وهي بنت تسع سنين" وروي عنها أنها قالت: "إذا بلغت الجارية تسعاً فهي امرأة".

 

 

 

 

 

 

 

س: ما صفة كفن الصبي أو السقط؟

1 – في مصنف ابن أبي شيبة عن الحسن قال:

"يكفن الفطيم والرضيع في الخرقة، فإن كان فوق ذلك كفن في قميص وخرقتين".

2 – وفي مصنف ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين قال:

"إن شاء كفنه في ثلاثة أثواب".

3 – وفي مصنف ابن أبي شيبة أيضاً عن محمد بن سيرين قال:

"يكفن فيما تيسر".

4 – وفي مصنف ابن عبد الرازق عن ابن المسيب قال:

"كفن الصبي في ثوب".

5 – وفي مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال:

"يكفن السقط في خرقة".

 

س: ما صفة كفن المحرم؟

مر بنا أن المحرم يكفن في ثوبيه.

وذلك للحديث الذي أخرجه البخاري عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال:

"بينما رجل واقف مع النبي r بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته – أو قال: فأقعصته، فقال النبي r: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين ـ أو قال: ثوبيه ـ ولا تحنطوه

ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي".

ـ لا تخمروا رأسه: أي لا تغطوا رأسه.

قال الحافظ في الفتح (3/138):

وفي الحديث استحباب  تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأن إحرامه باق، وأنه لا يكفن في المخيط، وفيه التكفين في الثياب الملبوسة. ويحتمل اقتصاره له على التكفين في ثوبيه لكونه مات فيهما وهو متلبس بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد له غيرهما.

 

 

 

أقوال أهل العلم في صفة كفن المحرم:

قال الشافعي – رحمه الله – في الأم (1/239):

إذا مات المحرم غسل بماء وسدر وكفن في ثيابه التي أحرم فيها أو غيرها، ليس فيها قميص ولا عمامة، ولا يعقد عليه ثوب كما لا يعقد الحي المحرم، ولا يمس بطيب، ويخمر وجهه ولا يخمر رأسه، ويصلى عليه ويدفن.

 

وقال الشيرازي – رحمه الله – كما في المجموع شرح المهذب (5/207):

إذا مات محرم لم يقرب الطيب ولم يلبس ولم يخمر رأسه.

 

وقال النووي – رحمه الله – كما في المجموع (5/208):

قال الشافعي والأصحاب ـ رحمهم الله ـ: إذا مات المحرم والمحرمة حرم تطييبه وأَخْذ شيء من شعره أو ظفره، وحرم ستر رأس الرجل وإلباسه مخيطاً وعقد أكفانه، وحرم ستر وجه المحرمة، وكل هذا لا خلاف فيه، ويجوز إلباس المرأة القميص والمخيط كما في الحياة.

تنبيه:

ـ قوله: وحرم ستر وجه المحرمة:عليه استدراك، فالمحرمة في حياتها يجوز لها أن تسدل سدلاً خفيفاً على وجهها، كما كانت أسماء تفعل هي ومن معها، إذا حاذاها الركبان في الحج سدلت سدلاً خفيفاً على وجهها.

 

س: ما صفة كفن الشهيد (شهيد المعركة)؟

يستحب أن يكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها ويدفن وهي عليه.                 (الفتح 3/138)

فقد أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن ثعلبة أن رسول الله r قال يوم أُحد:

"زملوهم في ثيابهم".

وفي رواية عند الإمام أحمد أيضاً:

"زملوهم بكلومهم ودمائهم"

ـ الكلوم: الجروح.

 

 

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن عبيد القارئ أنه قال يوم القادسية:

"إنا لاقو العدو غداً إن شاء الله، وإنا مستشهدون، فلا تغسلوا عنا دماً، ولا نكفن إلا في ثوب كان علينا".

وعند أبي شيبة أيضاً عن إبراهيم أنه قال:

"الشهيد إذا كان في المعركة دفن في ثيابه ولم يغسل".

وجاء في المغني لابن قدامة (2/531) ما ملخصه:

أن أهل العلم اتفقوا على استحباب  تكفين الشهداء في ثيابهم التي قتلوا فيها

وقال أكثرهم: ينزع عنهم في لباسهم ما لم يكن من عادة لباس الناس من الجلود والفراء والحديد.

 

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة بالسعودية:

الشهداء أصناف كثيرة، ومن جملتهم شهيد المعركة، وهو الذي يموت في معركة القتال، وحكمه أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن في ثيابه التي قتل وهي عليه، بعد نزع السلاح والجلود ونحوها.

وجاء في فقه السنة: الشهيد لا يغسل:

الشهيد الذي قتل بأيدي الكفرة في المعركة لا يغسل ولو كان جُنُباً، ويكفن في ثيابه الصالحة للكفن، ويكمل ما نقص منها، وينقص منها ما زاد على كفن السنة، ويدفن في دمائه، ولا يغسل شيء منها.

فائدة:

وقال الشافعي ـ رحمه الله ـ كما في الأم (1/236):

والشهداء الذين ـ عاشوا بعدما طعنوا بالسيوف أو رموا بالرماح أو غير ذلك – وأكلوا الطعام مثل الموتى في الكفن والغسل والصلاة، والذين قتلوا في المعركة يكفنون في ثيابهم التي قتلوا فيها إن شاء أوليائهم والوالي لهم، وتنزع عنهم خفاف كانت وفراء، وإن شاء نزع جميع ثيابهم وكفنهم في غيرها.

أهـ

 

 

 

 

 

 

ومما يدل على ما ذهب إليه الشافعي، ما فُعل بمصعب بن عمير عند تكفينه، وقد قتل يوم أحد، وكذلك ما فعل بحمزة ورجل آخر من الأنصار.

فقد أخرج الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما بسند حسن عن الزبير بن العوام t قال:

"لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى، قال: فكره النبي r أن تراهم فقال: المرأة المرأة قال(الزبير): فتوسمت أنها أمي صفية، فخرجت أسعى إليها فأدركتها قبل أن تنتهي إلي القتلى، قال: فَلدَمت في صدري وكانت امرأة جلدة قالت: إليك عني لا أرض لك، فقلت: إن رسول الله r عزم عليك، فوقفت وأخرجت ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، قد بلغني مقتله فكفنه فيهما: قال فجئنا بالثوبين لنُكَفِّن فيهما حمزة، فإذا إلي جنبه رجل من الأنصار قتيل، قد فعل به كما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين، والأنصاري لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فقررناهما فكان أحدهما أكبر من الأخر، فأقرعنا بينهما، فكَفَّنَا كل واحد منهما في الثوب الذي صار له".

وأخرج النسائي عن شداد بن الهاد:

"أن رجلاً من الأعراب جاء إلي النبي r فآمن به واتَّبَعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي r بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم النبي r فيها شيئاً فقسم، وقسم له فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم لك النبي r، فأخذه فجاء به إلي النبي r فقال: ما هذا؟ قال النبي r: قسمته لك، قال الرجل: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أُرمى إلى هاهنا وأشار إلي حلقه – بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي